كتبت أسماء نصار الأربعاء، 18 مارس 2026 01:33 م مع أول أيام عيد الفطر المبارك، وفي الوقت الذي تكتسي فيه الشوارع بالبهجة والسرور، تبرز عادة غذائية متأصلة في الوجدان الشعبي، حيث تتصدر "الرنجة" والأسماك المملحة مائدة الغداء في الملايين من البيوت. هذه الظاهرة، التي تتجاوز كونها مجرد وجبة عابرة، تعكس رغبة الصائمين في الانتقال من نمط الوجبات الرمضانية الدافئة إلى أطباق تفتح الشهية بملوحتها المميزة ونكهتها القوية. طقوس المائدة وسر الإقبال لم تكن الرنجة يوماً مجرد طبق جانبي، بل هي بطلة المشهد التي تجمع العائلة حولها، ويرجع الخبراء هذا الإقبال الكثيف إلى "الارتباط الشرطي" بين العيد والتحرر من ضوابط الصيام، إذ يميل الجهاز الهضمي بعد شهر من السكريات واللحوم الدسمة إلى طلب النكهات الحادة والأملاح التي تساعد في تعديل كيمياء التذوق. وعادة ما تقدم الرنجة محاطة بالمقبلات، تبدأ من البصل الأخضر والليمون، وصولاً إلى الطحينة وزيت الزيتون، مما يحول المائدة إلى لوحة فنية من الألوان والنكهات. بين المتعة والوعي الصحي وعلى الرغم من اللذة التي تحملها هذه الوجبة، إلا أن التقارير الطبية تضعها دائماً تحت مجهر الفحص، فبينما يستمتع المواطنون بطعمها، يحذر أخصائيو التغذية من الإفراط الذي قد يؤدي إلى احتباس السوائل في الجسم نتيجة المحتوى العالي من الصوديوم. ويؤكد الأطباء أن "السر يكمن في التوازن"، فالرنجة المدخنة تعد خياراً أخف من الفسيخ، بشرط التأكد من مصادرها، وضرورة تناول كميات وفيرة من الخضروات الورقية والمياه بعد الوجبة لمعادلة نسبة الأملاح. وتشهد الأسواق رواجاً في الأيام التي تسبق العيد، حيث تتنافس المحال في عرض أصناف الرنجة بأسعار متفاوتة تناسب كافة الطبقات الاجتماعية. هذا الرواج لا ينعش قطاع التجارة فحسب، بل يمتد ليشمل محاصيل الخضروات والمخابز، مما يجعل من "موسم الرنجة" محركاً اقتصادياً مصغراً يرتبط بمناسبة دينية واجتماعية غالية. جدير بالذكر أن تناول الرنجة في عيد الفطر جزءاً من الهوية الثقافية التي لا تمحوها السنون، فهي الوجبة التي تجمع بين الغني والفقير على مائدة واحدة، وتجسد في طياتها ملامح الفرح والبهجة الشعبية. ومع اتخاذ التدابير الصحية اللازمة، تظل هذه العادة هي المذاق الأبرز الذي ينتظره الجميع من العام إلى العام.