اقتصاد / صحيفة الخليج

أزمة تتجاوز النفط وتضرب قلب الاقتصاد العالمي


في لحظة تتسم بحساسية اقتصادية غير مسبوقة، يجد العالم نفسه أمام أزمة مركبة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، لتطال جوهر النظام الاقتصادي العالمي. لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري استراتيجي لنقل النفط، بل تحول إلى نقطة ارتكاز حاسمة تتقاطع عندها مصالح والصناعة والأمن الغذائي، فضلاً عن سلاسل التوريد العالمية.
ومع تصاعد الاضطرابات التي تعيق حركة الملاحة في المضيق، تتكشف تداعيات أعمق بكثير من مجرد ارتفاع أسعار الوقود، لتشمل موجة تضخمية محتملة، واختناقات صناعية، وتهديدات مباشرة لقطاعات حيوية مثل الأسمدة والألمنيوم والبتروكيماويات.

مع تعطل حركة التجارة في مضيق هرمز، ظهرت الاختناقات بشكل واضح، وبدأت سلاسل الإمداد تعاني تأخيرات وارتفاعاً في التكاليف، ما انعكس بدوره على الإنتاج والأسعار.
المشكلة لا تكمن فقط في تعطل الإمدادات، بل في الوقت اللازم لإعادة التوازن. وحتى في حال استئناف الملاحة، تحتاج الشركات إلى أسابيع أو أشهر لإعادة جدولة الشحنات، وإعادة تشغيل خطوط الإنتاج بكامل طاقتها، وهو ما يعني أن آثار الأزمة قد تستمر لفترة أطول من الحدث نفسه.

البتروكيماويات.. قلب الصناعة العالمية


ربما يكون قطاع البتروكيماويات الأكثر حساسية في هذه الأزمة، نظراً لدوره المحوري في الاقتصاد الصناعي. فالمواد البتروكيماوية، وعلى رأسها «الإيثيلين»، تُستخدم في إنتاج البلاستيك، والتغليف، والعديد من المكونات الصناعية التي تدخل في كل تفاصيل الحياة اليومية.
تشير التقديرات إلى أن نحو 15% من إمدادات «الإيثيلين» العالمية أصبحت معرضة للمخاطر تعطل الشحن في مضيق هرمز، وهو ما يضع ثقلاً مباشراً على الصناعات التحويلية. لكن خطورة هذا التأثير لا تكمن فقط في حجم الإمدادات، بل في اتساع نطاق استخدامها. فالإيثيلين يُعد مادة أساسية في صناعة العبوات الغذائية، والأنابيب، ومواد العزل، إضافة إلى مكونات السيارات والأجهزة المنزلية.
ولعل المثال الأوضح يظهر في قطاع التعبئة والتغليف، حيث يطال ارتفاع أسعار المواد البلاستيكية كلف وهوامش أرباح السلع الغذائية، وبالتالي سنكون أمام جموح في أسعار المنتجات.
كذلك، تواجه شركات صناعة السيارات ضغوطاً إضافية نتيجة ارتفاع أسعار المكونات البلاستيكية المستخدمة في الأجزاء الداخلية، وهو ما قد يؤخر الإنتاج أو يرفع الأسعار النهائية للمركبات.
في قطاع الزراعة أيضاً، تمتد التداعيات إلى أنظمة الري الحديثة المصنوعة من البلاستيك، ما يضيف أعباء مالية إضافية على المزارعين، ويعزز الضغوط على الأمن الغذائي بشكل غير مباشر. أما في الصناعات الطبية، فإن ارتفاع كلفة المواد البلاستيكية المستخدمة في المعدات والأدوات ذات الصلة سيزيد من أعباء أنظمة الرعاية الصحية، خاصة في الدول ذات الموارد المحدودة.
هذا التشابك يجعل من قطاع البتروكيماويات نقطة انتقال رئيسية للتضخم، حيث تتحول أي زيادة في تكاليفه إلى موجة أسعار تمتد عبر قطاعات متعددة. ومع استمرار الاضطرابات، لا يبدو أن هذه الضغوط ستتراجع قريباً، بل يُرجح أن تستمر في تغذية التضخم الصناعي والاستهلاكي خلال الأشهر المقبلة.

الألمنيوم: بنية الاقتصاد الحديث


في قطاع الألمنيوم، تتجلى الأزمة من زاوية مختلفة لكنها لا تقل خطورة، إذ يتقاطع فيه العامل الجيوسياسي مع الاحتياجات الصناعية العالمية. فبعد العقوبات الغربية على روسيا، التي تُعد ثاني أكبر منتج للألمنيوم في العالم، برزت دول الخليج، وخاصة البحرين والإمارات وقطر، كمصدر رئيسي لتعويض النقص في الأسواق الدولية، ما منح هذه المنطقة ثقلاً استثنائياً في ميزان العرض العالمي.
لكن مع تعطل حركة الشحن في مضيق هرمز، تعرّضت هذه الإمدادات لاضطراب مباشر، أرخى بظلاله سريعاً على الأسواق بارتفاع أسعار الألمنيوم إلى أعلى مستوياتها منذ أربع سنوات، في مؤشر واضح على حساسية هذا القطاع لأي اختلال لوجستي. لذا فإن مجرد استمرار حالة عدم اليقين قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، حتى من دون حدوث نقص فعلي كبير. وهذا ما يعزز من دور القطاع كأحد المحركات غير المباشرة للتضخم الصناعي.
لكن الألمنيوم أكثر من مجرد معدن صناعي تقليدي، إنه عنصر أساسي في بنية الاقتصاد الحديث، ومؤشر على استقرار سلاسل التوريد الصناعية. يدخل في صناعة الطائرات، والسيارات الكهربائية، ومواد البناء، وحتى في تقنيات الطاقة المتجددة مثل الألواح الشمسية. ومع التوجه العالمي نحو التحول الأخضر، تزايد الطلب على الألمنيوم، ما يجعل أي خلل فيه أكثر تأثيراً من السابق.
وتظهر التداعيات بوضوح في قطاع صناعة السيارات، حيث تعتمد الشركات بشكل كبير على الألمنيوم لتخفيف وزن المركبات وتحسين كفاءة استهلاك الوقود. وارتفاع أسعاره يدفع الشركات إما إلى تحمل تكاليف إضافية وإما نقلها إلى المستهلك، ما يؤدي إلى زيادة أسعار السيارات وتأخير بعض خطوط الإنتاج. الأمر ذاته ينطبق على قطاع البناء، حيث يؤدي ارتفاع تكلفة الألمنيوم إلى زيادة أسعار المشاريع العقارية والبنية التحتية.

الأسمدة.. تهديد مباشر للأمن الغذائي


يُعد قطاع الأسمدة من أكثر القطاعات انكشافاً على الاضطرابات الحالية، نظراً لارتباطه المباشر بالإنتاج الزراعي العالمي، وبالتالي بالأمن الغذائي. قبل عام 2022، كانت روسيا وبيلاروسيا تهيمنان على أكثر من 20% من صادرات الأسمدة عالمياً، وهو ما جعل العقوبات المفروضة عليهما نقطة تحول حاسمة دفعت الأسواق إلى البحث عن بدائل سريعة. هنا برزت دول الخليج كمورد رئيسي، كونها تُنتج نحو 49% من صادرات اليوريا، أحد أهم أنواع الأسمدة المستخدمة عالمياً.
اليوم، ووسط الحرب الدائرة، ارتفعت أسعار الأسمدة بنحو 35%، في مؤشر واضح على اختلال التوازن بين العرض والطلب. وتأثير هذه الزيادة لن يتوقف عند حدود الشركات الزراعية، بل سيمتد بسرعة إلى المزارعين، الذين يواجهون خيارين أحلاهما مرّ: إما تقليل استخدام الأسمدة، ما يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية، وإما تحمل كلفة أعلى تنعكس لاحقاً على أسعار الغذاء. وفي كلتا الحالتين، تكون النتيجة النهائية هي ارتفاع أسعار السلع الغذائية في الأسواق.
أيضاً، ستتأثر سلاسل الإنتاج الغذائي بشكل غير مباشر، إذ ترتفع كلفة الأعلاف المستخدمة في تربية الماشية، نتيجة ارتفاع أسعار المحاصيل، ما يؤدي بدوره إلى زيادة أسعار اللحوم ومنتجات الألبان. بهذا المعنى، لا تبقى الأزمة محصورة في الحبوب، بل تمتد إلى كامل السلة الغذائية.
في المحصلة، يتحول قطاع الأسمدة من مجرد حلقة في سلسلة الإنتاج الزراعي إلى عنصر حاسم في استقرار الاقتصاد العالمي. وأي اضطراب في تدفقه سيتجاوز المزارع، وصولاً إلى منظومة الغذاء بأكملها، ما يجعله أحد أبرز مصادر القلق في المرحلة الراهنة، خاصة مع استمرار هشاشة سلاسل التوريد العالمية.

التجزئة والدواء


سيتأثر قطاع التجزئة بشكل مباشر بتقلبات الإمدادات، حيث يؤدي تأخر الشحنات إلى نقص في بعض السلع، خاصة المستوردة، ما يخلق اختلالاً في العرض داخل الأسواق. هذا النقص، حتى وإن كان مؤقتاً، يدفع الأسعار إلى الارتفاع ويغير أنماط الاستهلاك، مع توجه المستهلكين نحو بدائل محلية أو أقل تكلفة.
أما قطاع الصناعات الدوائية، فلا يقل أهمية في هذا المشهد، إذ تعتمد العديد من الأدوية والمستلزمات الطبية على مواد خام ومكونات يتم استيرادها عبر سلاسل توريد معقدة. وأي تأخير أو ارتفاع في التكلفة قد يؤدي إلى اضطرابات في التوافر أو زيادة في الأسعار خاصة في الدول ذات الموارد المحدودة.
لقد كشفت أزمة مضيق هرمز عن حقيقة جوهرية مفادها أن العولمة، رغم ما وفرته من كفاءة وتكامل، تحمل في طياتها مخاطر كبيرة عند تعرض إحدى نقاطها الحساسة للاختلال. فالعالم الذي بنى اقتصاده على التدفق السلس للسلع، يجد نفسه اليوم أمام اختبار صعب، حيث يمكن لاضطراب في ممر واحد أن يعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد ولادة حقبة جديدة تُعاد فيها صياغة سلاسل التوريد، وموازنة العلاقة بين الكفاءة والأمان، في اقتصاد أصبح أكثر ترابطاً... وأكثر هشاشة في آن واحد.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا