فن / اليوم السابع

زين العابدين خيري يكتب: ملامسة قمة النضج الفني.. كيف روّضت ريهام عبد الغفور وحش "نرجس" بوجه ملائكي؟

امرأة تتآكل من داخلها، تقف على حافة الانكسار، بينما تنهشها نظرات مجتمع قاسٍ وتلفظها أقرب الدوائر إليها، فتتحرك مدفوعة بحالة من الإنكار العميق لواقعها كامرأة عاقر، محاولة النجاة بنفسها بأي ثمن من ذلك الواقع الذي يجردها من أنوثتها وقيمتها الإنسانية، فتتحوّل دون أن تدري إلى وحش لا يقل ضراوة عن من سببوا لها الألم. إنه خليط مؤلم من المشاعر قدمته بسلاسة واقتدار ريهام عبد الغفور في تجسيدها لشخصية "نرجس" في "حكاية نرجس".

  من الأسطورة إلى الواقع

بداية لم يكن لريهام أن تقدم كل هذه العظمة في الأداء لولا سيناريو تم بناؤه بإتقان شديد للمؤلف عمار صبري بمشاركة الكاتب محمد إسماعيل أمين، ولولا دقة وحساسية المخرج سامح علاء الذي يقدم نفسه مخرجًا مهمًّا من عمله التليفزيوني الأول، بعد تجاربه الوثائقية المهمة مثل فيلمي "خمستاشر" و"ستاشر" الفائز بجائزة السعفة الذهبية لمهرجان كان في دورته الـ73. ومن هذا المنطلق يجب الإشادة باختيار صناع المسلسل لاسم "حكاية نرجس" الذي يستدعي أسطورة "نرسيس" اليونانية، ذلك الشاب الذي هام عشقًا بانعكاس صورته في الماء وظل يحدق فيها مفتتنًا بذاته حتى مات غرقًا، لتنبت في مكانه زهرة النرجس.

يأخذ هذا الاستدعاء الأسطوري مع نرجس بُعدًا مأساويًّا؛ فالغرق في حب الذات وتقديس الصورة المجتمعية يأتي كحيلة دفاعية أخيرة لروح مشوهة، فنرجس تعيش حالة إنكار مرضيّ، وتقنع نفسها باكتمال انعكاسها لتداري النقص العضوي والنفسي الذي يفرضه عليها جسدها ومجتمعها. وبوعي فني ناضج تلتقط ريهام عبد الغفور هذا الخيط، مطوعة ملامحها البريئة لتكون قناعًا يخفي وراءه هشاشة بالغة، ومستخدمة وجهها الهادئ كدرع تحتمي به من نظرات الشفقة والاتهام الموجهة إليها طوال الوقت.

  جذور القهر وميلاد التمرد المشوه

المسلسل الناجح يضعك في قلب أزمته مباشرة، والحلقة الأولى في "حكاية نرجس" كانت كافية لتوريطنا في الحكاية عبر الغوص في جذور هذا الخلل النفسي الذي ستفتتننا تفريعاته في الحلقات التالية وحتى ، فـ"نرجس" تعيش حالتين مدمرتين، أولاهما وصم مجتمعي يفتقر لأي رحمة أو تعاطف إنساني، وعليها أن تتحمل عبء نظرات المجتمع التي تجرد المرأة العاقر من كامل أهليتها وقيمتها كأنثى. وثانيتهما حالة إنكار مطلقة تواجه بها ذلك الوصم المجتمعي، وتسيطر عليها سيطرة مرضية.

أما وكيف قدمت ريهام عبد الغفور كل هذه التعقيدات من مشهدها الأول، فهو ما يؤكد النضج الشديد الذي وصلت إليه، فهي من البداية تتحدث بتحدٍّ ورفضٍ شديدين لأي اتهام أو طلب للرضوخ بنبرة صوت تفيض بثقة خادعة، وتتقمص حالة التصديق الكامل لكذباتها المتتالية، محولة الإنكار الداخلي إلى واقع تفرضه على محيطها لتداري شعورها بالنقص، حتى على أقرب الناس إليها، مهما اختلفت طريقتهم، فلا فارق في مواجهتها لقسوة الأم (سماح أنور)، أو حنان الأب (مجدي السباعي) أو منطق الزوج (أشرف مهدي) الذي يمثّل المجتمع بكل تناقضاته.

بعد المشاهد التمهيدية الأولى التي تترك فيها نرجس بيت الزوجية عائدة كمطلقة إلى بيت الأسرة، نراها نائمة على الأريكة، في إشارة بصرية لتهميشها وفقدانها لمكانها الأصيل داخل غرف بيتها بعد عودتها مطلقة. وحين تنتزع الأم الغطاء عنها بعنف لتوقظها، تسجل الكاميرا أداءً حركيًّا مرتبكًا لريهام في مواجهة رصاصات أمها اللفظية الساخرة، التي تخبرها بمنطق المجتمع القاهر أن امرأة في مثل ظروفها عليها أن تضع حذاءً في فمها وتصمت، وتؤكد انعدام فرصها في الزواج مجددًا لافتقارها للمال والجمال، في إشارة إلى مرض "الثعلبة" الذي كانت تحاول نرجس بتركيز متوتر إخفاء آثاره على حاجبيها بقلم الكحل.

براعة ريهام تتأكد في تخزين القهر وتجسيد لحظة الانكسار الممزوجة بالرفض، تتفاعل مع كلمات والدتها بانفعال داخلي مكثف تظهره من خلال تصلب عضلات وجهها وتوقف يدها الممسكة بالمرآة الصغيرة وقلم الكحل. فما هذه إلا البداية لهجوم ورفض مجتمعي تقليدي ستواجهه نرجس/ريهام من كل من حولها بتصاعد في الأداء التشخيصي.

وقد استطاعت ريهام عبد الغفور من البداية أن تؤصل تركيبة الضحية المتمردة التي تحتمي خلف جدار من الإنكار، باعتمادها على نظرات تتسم بالتحدي والثبات المصطنع، فهي تدعي بثقة تامة سلامتها العضوية، وتنتقل من الدفاع إلى الهجوم بالتلميح لطليقها باحتمالية وجود عيب عدم الإنجاب فيه، إمعانًا في تجاهل حقيقة حمل الزوجة الجديدة، ومن باب التشكيك في نسب الجنين لزوجها السابق في الوقت نفسه. وكل ذلك تفعله ريهام بنظرات حادة تخفي انهيارًا داخليًّا، وتقسم بتماسك زائف أنها ستنجب وتثبت للجميع مصدر العلة. أما كيف ستثبت ذلك فهو ما كانت خططت له بالفعل.

ففي لحظة القهر من أمها وكلماتها القاسية التقطت عينا نرجس صورة عوني (حمزة العيلي) في الخارج، جارهم الذي يكن لها حبًّا قديمًا ورفضته عائلتها بسبب إعاقته وظروفه. وبينما اتخذت نرجس قرارها في تلك الثواني، عكست عينا ريهام تبلور فكرة النجاة؛ هي تبحث عن مساحة أمان تتسيد فيها لتخفي نقصها، ووجدت في هذا الرجل المكسور والمثقل بعقدة النقص بسبب بتر قدمه وتهميش أمه الدائم له أمام شقيقه، الملاذ الذي يمكنها من بناء حياتها الجديدة بعيدًا عن سيف المعايرة المسلط على رقبتها، وزيادة على ذلك الارتقاء بالطريقة التي تلائم المجتمع وترضي إنكارها ونرجسيتها، لتثبت اكتمالها وقدرتها التامة على الإنجاب، وأكثر من مرة.

  مستنقع العُقد وصناعة الجلاد

تدير نرجس/ريهام علاقتها مع عوني/العيلي بوعي دقيق لشخصية تختبئ من خوفها، فكان إصرار الطرفين على إتمام الزواج وتجاوز العوائق العائلية نابعًا من محاولة كل طرف ترميم كرامته المهدورة بالاحتماء بالآخر. وترجمت ريهام هذا الارتباط بالاعتماد على نبرة هادئة، لتنقل عبء الوصم المجتمعي بالكامل على كاهل زوجها، وتوهمه بأن العجز الطبي يكمن فيه هو لتنجو بنفسها من حقيقة عقمها، بينما تستغل نظرات التبجيل في عيني عوني كأداة لترسيخ دورها كضحية مضحية من أجل زوجها المعاق، وتقوم بفرض سيطرتها النفسية التامة على مجريات حياته لتضمن عدم تخلي أي شخص عنها مرة أخرى، ووقتها لا يكون أمامه سوى الانصياع لرغباتها في ترميم صورتها بادعاء إنجابهما طفلًا لا يعرف هو من أين جاء، ولا كيف يستطيع تكوين مشاعر تجاهه، ليجد نفسه مدفوعًا للاستمرار في لعبتها، وها هو الطفل يجر آخر.

يأخذ المسار الدرامي منعطفًا أكثر تعقيدًا حين تجد نرجس نفسها محاصرة ومضطرة لمواصلة جرائم الخطف تحت وطأة الابتزاز من طرف زوج شقيقتها سعد (تامر نبيل)، فبعد أن يكتشف سرها يبدأ في مساومتها وتهديدها بالفضيحة. وقتها تتبدل انفعالات ريهام عبد الغفور من جديد، وتنتقل ببراعة من موقع المخططة الواثقة التي تبحث عن طفل يعوض حرمانها، إلى موقع الحيوان المحاصر الذي يخطف الأطفال لسداد ديون زوج شقيقتها وتجنب تدمير حياتها. وتترجم ريهام هذا الضغط بنظرات زائغة ولغة جسد مهزوزة، مبرزة حالة التخبط والاضطرار في مساوماتها الباردة والجافة مع سعد، مؤكدة أن أفعالها مدفوعة برعب حقيقي من العودة لمربع النبذ الأول.

وفي واحد من أهم مشاهدها بالمسلسل وتحت ضغط هذه الحالة من الرعب النفسي وغريزة البقاء تصل إلى ذروتها في مشهد مراقبتها لحماتها (عارفة عبد الرسول) وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة ليلًا إثر أزمة صحية، في نفس هذه الليلة التي هددتها فيها حماتها بأنها ستخبر ابنها الآخر وزوجته بشكها في نسب ابن نرجس لها. ريهام هنا تقف بملامح متصلبة وتراقب الموت لحماية سرها المظلم وتفادي افتضاح أمرها أمام العائلة، تخلق نظراتها المسمرة نحو الحماة حالة من الخوف الخالص النابع من الرغبة في النجاة الفردية، فللموت مهابته، وتغمرها في الوقت نفسه سعادة داخلية بالخلاص من مأزقها، خصوصًا وأن الخلاص جاءها بحل سماوي لن يورطها في شيء أكثر مما هي متورطة فيه.

عبر 15 حلقة استطاعت ريهام عبد الغفور أن تقدم في كل مشهد تشريحًا حيًّا للدور المعقد الذي تقوم به، امرأة دمرها الوصم المجتمعي والإنكار الذاتي، فركزت مجهودها التمثيلي في نظرة العين، وارتجافة اليد، ومحاولات التستر الدائمة، لتؤكد أن التشخيص الدرامي الحقيقي ينبع من فهم الممثل لدوافع شخصيته وقدرته على ترجمة هذا الخوف والإنكار إلى تفاصيل بصرية تخدم النص الدرامي وتضيف أبعادًا إنسانية واقعية تجبر المتلقي على متابعة هذا التخبط النفسي والتفاعل مع مأساة الضحية التي تحولت تحت الضغط إلى جلاد.

  كبيرة وسط الكبار

قلت في البداية إن ريهام لم تكن لتقدم كل تلك العظمة لولا سيناريو متقن وإخراج مبدع، وفي النهاية أضيف ولولا فريق من الممثلين المتألقين جميعًا في أدوارهم المختلفة، بداية من الممثل الكبير حمزة العيلي الذي يثبت دورًا بعد الآخر أنه من أهم الممثلين في في السنوات الأخيرة، ومهما كانت طبيعة وحجم الدور الذي يقدمه -حتى لو كان مشهدًا واحدًا- فإنه يخرج منه ما لا يمكن تصوره من تفاصيل تدل على موهبته الكبيرة، وها هو يثبت بدور "عوني" قدرته على تحمل أدوار البطولة باقتدار، المهم أن يجد ما يليق بهذه الموهبة.

أما القديرة سماح أنور في دور الأم فقد وصلت إلى درجة ممتعة من النضج، ومن فهم الشخصية التي تقوم بها وهي الممتلئة بمزيج من القسوة والحب والحرمان، وأظهرت كل ذلك مستخدمة مخزونها الهائل من الخبرة، وبأداء أتمنى ألا تحرمنا منه مجددًا بغياب طويل عن .

وما قلته على سماح أنور ينطبق على القدير أحمد عزمي الذي يثبت مع هذا الدور أنه يحتاج دائمًا إلى نص جيّد وشخصية مرسومة بإتقان ومخرج يعرف كيف يدير موهبته الكبيرة، وأنه مازال في جعبته الكثير ليقدمه.

عارفة عبد الرسول، دنيا ماهر، تامر نبيل، يوسف رأفت، إلهام وجدي، مجدي السباعي، أشرف مهدي، بسنت أبو باشا، وحتى الطفل يوسف (يزن) كلهم كانوا في أفضل حالاتهم الفنية، ويجب الإشادة بهم جميعًا في هذا العمل الجميل، فالممثل الجيّد نبتٌ متصل بجذوره، والمبدعون كيانات تتكامل ببعضها، يجمعهم نص يجب أن يرسم شخصياتهم جميعًا بدقة، ومخرج يستطيع أن يقود دفتهم ويضبط إيقاعهم ليتناغم مع بقية العناصر التي يقودها، ليخرج في النهاية العمل بدقة وإتقان مثل "حكاية نرجس".

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا