ارتفاع هرمون السعادة
يؤكد الأخصائي النفسي الدكتور عبدالله أحمد الوايلي، أن العيد يمثل إعلاناً ظاهراً وباطناً لعمليتي السلام والاطمئنان النفسي، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، بما يحمله من مشاعر الحب والود ونبذ البغضاء والاحتقان. ويشير إلى أن للعيد تأثيراً إيجابياً على الصحة النفسية، إذ يشعر الفرد بالانتماء والتعزيز والارتباط بالآخرين، مما يرفع من معدل هرمون السعادة ويعزز الشعور بالقيمة الذاتية.
ويضيف الوايلي أن مشاعر العيد تختلف بين الأفراد؛ فهناك من يعيش مشاعر الفرح والإنجاز، وهم الغالبية، بينما يعاني آخرون من مشاعر القلق أو التوتر أو الاكتئاب، فيما يُعرف بـ«اكتئاب العيد»، وهي حالة مؤقتة من الحزن وعدم الاستمتاع خلال فترة العيد أو بعدها. ويشير إلى أن الاعتقاد بأن فرحة العيد تخص الأطفال فقط هو اعتقاد خاطئ، فالكبار بحاجة ماسة لهذه الفرحة، خصوصاً أنها مناسبة دينية واجتماعية ذات قيمة كبيرة.
ويلفت الوايلي إلى أهمية الرعاية النفسية والاجتماعية لكبار السن، لأنها تعتمد على الاحتواء النفسي والوجداني والمعرفي والسلوكي، فإبعادهم عن المجتمع وعدم دمجهم فيه يعد من أكبر عوامل الهدم، إذ يؤثر على قدراتهم الذهنية والمعرفية. ويؤكد أن فرحة العيد بالنسبة لكبار السن تعني الحضور والمكانة والريادة داخل أسرهم، خصوصاً في ظل صراعاتهم مع أمراض التقدم في العمر. ويضيف أن العيد يسعد القلوب ويبهج الصدور ويجمعهم مع من يحبون، وأن الروح المعنوية المرتفعة تعد علاجاً فعالاً يساعدهم على الانتقال من مرحلة الفقد إلى مرحلة التقبل.
ويشير إلى أن اختلاف العيد اليوم هو اختلاف تكنولوجي بحت، يظهر أثره بوضوح على كبار السن الذين تتعارض فرحتهم مع العزلة، خصوصاً عند فقد الشريك أو الأصدقاء، مما يخلق عبئاً نفسياً وسلوكياً يؤدي إلى الشعور بالوحدة والانطواء والقلق والاكتئاب. ويؤكد ضرورة احتواء كبار السن نفسياً ومشاركتهم الأنشطة الاجتماعية لتعزيز شعورهم بالرضا والقبول.
ويعدد الوايلي أبرز الجوانب النفسية المتأثرة لدى كبار السن نتيجة تغيّر مظاهر العيد؛ ومنها: الشعور بالوحدة نتيجة الإهمال وضعف المشاركة، والحنين إلى الماضي بما يحمله من ذكريات، وأزمة الهوية الناتجة عن فقدان الدور الاجتماعي، وضعف العلاقات الاجتماعية وما ينتج عنه من تفكير سلبي.
ويؤكد أن العيد مشاركة وجدانية شاملة تعتمد على البذل والعطاء والاحتواء، خصوصاً لكبار السن، من خلال التفاعل معهم وفق قدراتهم، وإشراكهم في الأنشطة الاجتماعية، ومنحهم الأهمية الكبرى عبر أدوارهم الأسرية.
بهجة وحيوية
وفي حديثه عن الماضي، كشف العم راشد هليل العتيبي، أن ملامح العيد قديماً كانت أكثر بهجة وحيوية، إذ يبدأ الاستعداد له قبل دخوله بيومين بتوافد أبناء القبيلة إلى كبارهم، والإعداد المسبق للولائم التي تُوزّع على مدى ثلاثة أيام بدءاً من فطرة اليوم الأول. وكانت الزيارات المتبادلة بين البيوت وتبادل الأشعار جزءاً أصيلاً من الاحتفال، مع الالتزام باللباس الرسمي من البشوت والغتر والشمغ والمجاند. وكان الأبناء يقفون إلى جانب آبائهم ليتعلموا العادات والقيم من خلال مشاهدة استقبال الضيوف والترحيب بهم وتقديم الضيافة. ويشير العتيبي إلى أن التمدّن غيّر الكثير من هذه المظاهر، فأصبحت الأسر تفضّل الحدائق والأسواق والاستراحات، مردداً قول الشاعر: «عيدٌ بأيّ حالٍ عدتَ يا عيد».
كبير العائلة
يستعيد المؤرخ عيسى القصير ذكريات الاحتفال بعيد الفطر قديماً، مبيناً أن أخبار العيد كانت تصلهم قبل وصول الكهرباء إلى القرى بطرق بسيطة، إذ يصعد أحد أبناء القبيلة إلى رأس الجبل ويشعل النار إعلاناً بقرب العيد، إضافة إلى إطلاق النار من البنادق والبارود. ويشير القصير إلى أن من أجمل العادات بعد صلاة العيد اجتماع أفراد الأسرة والأقارب لتناول إفطار القرصان والسمن والعسل، ثم يمارسون ألعاب البنادق والسيوف والتعشير مع الأهازيج الشعبية. أما الغداء، فكان يجمع الأسرة عند كبير العائلة، وكذلك وجبة العشاء التي غالباً ما تكون من السليق، لتبدأ بعدها الألعاب الشعبية ويحل السمر المليء بالسوالف والأمجاد والشعر، ويستمر العيد عدة أيام بهذه الأجواء.
عيد الرسائل
توضح الباحثة في الأدب الشعبي الدكتورة غدير الثبيتي أن طقوس العيد تغيّرت مع مرور الزمن، فأصبح يقتصر في كثير من الأحيان على السلام وتبادل الرسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بينما تراجعت الزيارات التقليدية التي كانت تقوّي الروابط بين الناس. وتشير إلى أن العيد بات يقتصر على تجمعات بسيطة في المنازل أو المتنزهات، وأن الزيارات انحسرت لتقتصر على العائلة الصغيرة بسبب تباعد أفراد العائلات في المدن المختلفة. ومع ذلك، ما زالت بعض العائلات تحرص على الحفاظ على تقاليد العيد وإحياء الأجواء القديمة بفضل حكمة كبار العائلة ورغبتهم في الحفاظ على روح هذه المناسبة.
وتضيف الثبيتي أن بهجة العيد تبقى حاضرة رغم كل التغيرات، خصوصاً لدى الأطفال الذين يمثلون جوهر الفرح، وأن روح العيد تستمر في منح الناس شعوراً بالسلام والمحبة مهما اختلفت طرق الاحتفال. وتختتم بأن العادات القديمة في الاحتفال بالعيد تعكس جانباً مهماً من التكاتف الاجتماعي والتواصل، رغم أن هذه المظاهر تراجعت بشكل ملحوظ في عصرنا الحالي.
توضح الأخصائية الاجتماعية نوف الخالدي أن تراجع بعض مظاهر التواصل في العيد قد يترك آثاراً اجتماعية واضحة، خصوصاً على كبار السن الذين قد يشعرون بالعزلة أو قلة الاهتمام، بينما يفقد الجيل الأصغر جانباً مهماً من الترابط الأسري ونقل القيم والخبرات. وتشير إلى أن استمرار هذا النمط قد يؤدي إلى ضعف الروابط العائلية وتراجع حضور العادات الاجتماعية التي كان العيد يعززها.
وتؤكد الخالدي أن معالجة هذه الفجوة تبدأ من داخل الأسرة عبر تعزيز الوعي بأهمية صلة الرحم، وتشجيع الأبناء على زيارة كبار السن ومشاركتهم أجواء العيد، إضافة إلى إحياء العادات البسيطة مثل التجمعات العائلية وزيارات الجيران، لما لها من دور في تقوية الانتماء والتقارب. وتشدد على دور الإعلام والمؤسسات المجتمعية في التوعية بقيمة كبار السن وأهمية حضورهم في المناسبات الاجتماعية.
وتختتم بقولها: إن العيد ليس مجرد وقت للترفيه، بل فرصة لتعزيز الروابط الإنسانية والاجتماعية التي تحافظ على تماسك الأسرة والمجتمع.
عُزلة وقلة اهتمام
النفوس تغيرت
من جانبه، تساءل العم معتوق الخالدي، عمّا إذا كان العيد هو الذي تغيّر أم أن النفوس تغيّرت، مؤكداً أن أعياد الأمس كانت أكثر ترابطاً وتمسكاً بالعادات والقيم. ويشير إلى أنه -كغيره من كبار السن- يشعر بفقدان الكثير من نكهة العيد التي باتت تنحصر في الساعات الأولى من يومه الأول. ودعا الخالدي الشباب إلى إحياء روح العيد وإظهار الفرح والسرور، والالتفاف حول بعضهم صغاراً وكباراً، وأن تشمل زياراتهم الآباء والجيران، ليكون العيد مناسبة للتسامح وتفقد الأحوال.
يشعر الكثيرون اليوم بأن ملامح العيد لم تعد كما كانت في السابق، إذ تراجعت مظاهر التهاني المباشرة والزيارات الحيّة والعناق الذي كان يعبّر عن دفء العلاقات، لتحلّ محلها رسائل وصور تهنئة سريعة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل الواتساب وغيره. وغابت البيوت المفتوحة التي كانت تستقبل الزوار بلا موعد، وتراجعت معها أطباق الحلوى التي كانت تجوب الأحياء، كما اختفت هدايا الصغار المتبادلة بين الجيران، لتحل محلها تجمعات الاستراحات وولائم الليل. وفي الوقت ذاته، خطفت الهواتف الذكية مساحة واسعة من الأحاديث الودية وتبادل القصص الشفوية التي كانت تجمع الناس. وبينما كان الموظفون يتحيّنون فرصة الإجازة لزيارة أقاربهم في القرى ومشاركتهم فرحة العيد، اتجه كثير منهم اليوم إلى قضاء الإجازة داخل المدن أو السفر إلى الخارج.
وأظهرت دراسة سابقة لإحدى الشركات المتخصصة في أبحاث وتحليلات السوق -شملت 1192 شخصاً من مختلف مناطق المملكة- أن 46% يحتفلون بالعيد صباحاً، و29% ليلاً، و14% طوال اليوم، و6% ظهراً وعصراً. كما بيّنت الدراسة أن 51% يفضّلون النوم بعد الظهر بسبب الإرهاق فيما يُعرف بـ«غيبوبة العيد»، بينما ينام 19% قبل الظهر أو بعد صلاة العيد.
الاستراحات خيار مناسب
وفي المقابل، يرى الشابان محمد القرني وسلطان الزهراني، أن لكل زمان تغيراته التي تفرضها التقنيات الحديثة ومتطلبات الحياة، وأن مواكبتها أمر طبيعي. وأوضحا أن اللجوء إلى الاستراحات ليلاً يعد خياراً مناسباً في ظل ضيق المجالس والشوارع، إذ قد يتسبب حضور عزيمة ما في إزعاج الجيران الذين يفقدون مواقف مركباتهم وتُغلق مخارج ومداخل الحي.
تحذيرات ونصائح
يحذّر الخبراء من ضعف الروابط العائلية ويدعون إلى إحياء العادات التي تعزز التماسك الأسري، مؤكدين أن تراجع الزيارات وتزايد الاعتماد على الرسائل الإلكترونية أثّر في طبيعة العيد ودوره الاجتماعي. ويرى المختصون أن العيد فرصة لإعادة بناء التواصل، خصوصاً مع كبار السن الذين يعانون من العُزلة وفقدان الدور الاجتماعي. كما يشددون على أهمية مشاركة الأبناء في الزيارات العائلية وإحياء الممارسات البسيطة التي تعيد للعيد روحه؛ باعتباره مناسبة تعزز الانتماء، وتدعم الصحة النفسية، وتعيد الدفء للعلاقات بين أفراد الأسرة والمجتمع.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
