البقاع- تبدو أسواق بعلبك في أيام عيد الفطر هذا العام بصورة مغايرة لما ألفته الذاكرة؛ فالسوق الذي كان يضج بالزحام والألوان، بدا شبه خالٍ إلا من إرادة تأبى الانكسار. في قلب المدينة، حيث تفوح رائحة كعك العيد، يروي بائع الحلويات عصام حسن بيان حكاية مهنة توارثها أبا عن جد، وصارت جزءا من هوية هذه المناسبة السعيدة. وقال للجزيرة نت “منذ 66 عاما ونحن نصنع حلويات العيد، بالنسبة لنا، القرص والمعمول ليسا مجرد حلوى، بل هما التراث بحد ذاته”، وأنهما إذا لم يدخلا إلى البيت، فكأن العيد لم يأتِ بعد. شوارع بعلبك خالية في عيد الفطر بسبب نزوح نسبة من سكانها (الجزيرة) واقع مُرّ وأضاف البائع بيان متحدثا عن صموده في بعلبك “اعتدنا على الغارات والقصف، أحيانا نكون في ذروة عملنا حين تضرب إسرائيل المدينة، لكن بعد مرور 10 دقائق فقط، ينسى الناس ويعودون للحركة مجددا، ونحن بدورنا لا نتوقف عن العمل أبدا”. ولا يخفي تأثر الحركة التجارية بالحرب الحالية، وأوضح “كان حجم المبيعات في الأعياد السابقة يصل إلى 30 أو 40 ألف قرص، أما هذا العيد فلم يتجاوز الـ20 ألفا، أي بنسبة تراجع وصلت النصف”. بين أروقة بعلبك حيث يمتزج عبق التاريخ بمرارة الواقع، وقف البائع حسن طفيلي خلف طاولة التحضير منذ الصباح الباكر، وهو يراقب حركة الزبائن الخجولة. وقال للجزيرة نت “نحن هنا منذ ساعات الصباح الأولى، بدأنا بتحضير الحلويات التقليدية، وتركيزنا الأساسي اليوم على المعمول وأقراص العيد”. وأضاف بحسرة “الحركة تراجعت كثيرا، لا يمكن مقارنة اليوم بالأمس، هناك قسم كبير من أهلنا نازحون بعيدا عن بيوتهم، والقسم الآخر الذي بقي هنا يواجه ضائقة مالية حادة في ظل ارتفاع الأسعار”. ورغم هذا المشهد القاسي، قال بإصرار “نحن لا نترك بعلبك”. وأمام بسطة السكاكر التي لم تستطع غارات الحرب إطفاء ألوانها تماما، وقف البائع زكريا في سوق بعلبك، شاهدا على عيدٍ يغيب فيه الزحام. ووصف المشهد بمرارة “الحركة شبه معدومة، الأسواق التي كانت تضج بالحياة خالية اليوم، ورغم القصف الإسرائيلي المستمر، اخترنا أن نفتح أبوابنا، ونحن مستمرون في عملنا”. وبكلمات تلخّص صمود أهالي بعلبك، أضاف زكريا “نحن باقون في هذه الأرض التي أكلنا من خيرها، وشربنا من مائها، وتربينا في أزقتها”. ألوان الألعاب في المحال التجارية تتحدى ركام المباني (الجزيرة) صمود وأمام فرن حسين عثمان وسط السوق الشعبي، لم تعد واجهة المحل تطل على الشارع المعتاد، بل على مبنى مدمّر بالكامل بفعل القصف الإسرائيلي. وعبّر عن صموده قائلا “السنة الماضية كانت مختلفة تماما عن هذه السنة، لكننا اليوم نفتح محالنا لمساعدة الناس والبقاء إلى جانبهم، فنحن لم نتوقف يوما عن العمل”. وأشار عثمان بيده الى المبنى المدمر خلفه، مؤكدا “انظروا، خلفي تماما آثار ضربة إسرائيلية غادرة، ورغم ذلك، لم ولن نغلق محالنا، حتى لو دُمّرنا، لن نترك بيوتنا أو نغادر أرضنا”. وفي شوارع السوق، تجوّل المواطن عباس عيد بين المحال التجارية مشتكيا من غياب الحركة، وقال للجزيرة نت “لا توجد أجواء عيد حقيقية هذا العام، لكن نزولنا للتسوق هنا هو بحد ذاته نوع من الصمود”. واستذكر الفارق المؤلم بين اليوم والأمس، “هذا العيد يختلف تماما عن السابق. العام الماضي، كنا نتمتع بنوع من الأمان الشخصي هنا، رغم أنه كان مفقودا عند أهلنا في فلسطين حينها”. وخلال التجول في السوق، تصفعك الحقائق الميدانية التي خلّفتها الحرب، فالباعة الذين اعتادوا صخب العيد، يجلس بعضهم بصمت ينتظرون زبونا أمام بضاعة مكدسة. أما الزبائن القليلون، فينشغلون بجدال مع التجار حول أسعار السلع. والمحال التي كانت تفتح أبوابها حتى الفجر في مواسم العيد، باتت تُغلق على عجل مع أول صوت لطائرة استطلاع في الأفق. الطرقات باردة والفراغ يملأ شوارع بعلبك الملقبة بـ”مدينة الشمس” (الجزيرة) بعلبك الحضارة وعلى مدخل سوق بعلبك، وقف بائع أحذية بانتظار زبون ضلّ طريقه لعله ينتفع بقرش واحد. وفي حديقة رأس العين قرب السوق، توقفت المراجيح الحديدية الملونة ساكنة تماما، لا يدفعها طفل ولا تعلو منها أصوات البهجة، تتمايل وحيدة ببطء تحت ظلال الأشجار. حتى المقاهي المحيطة بالمنتزه، والتي كانت تصدح فيها المواويل البعلبكية وتختلط فيها رائحة القهوة بضجيج العائلات، بدت واجهاتها خالية. تُعد بعلبك عاصمة اقتصادية لمنطقة البقاع الشمالي، ويجمع السوق التجاري فيها بين التراث والحضارة ويضم مئات المحال التجارية التي تتنوع منتجاتها، ويستقطب أهالي البلدات والقرى المجاورة. وتُعتبر من أهم المدن السياحية والتاريخية في المشرق العربي. وهي تحمل تاريخا ممتدا لأكثر من 5 آلاف عام، وتُعد واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، حيث شهدت تلاقي حضارات عديدة عبر العصور، وتأتي أصولها القديمة من الآشوريين واليونانيين، وتمتد إلى العصور البيزنطية والرومانية، وصولا إلى الحقبة الإسلامية والعربية بكل تنوعها. بعلبك وقرى في محيطها تعرضت لسلسلة غارات عنيفة (الجزيرة) يأتي هذا المشهد أمام ظروف قاسية، فمنذ الحرب الأخيرة التي بدأت في 2 مارس/آذار الجاري، تعرضت بعلبك وقرى في محيطها بشرق لبنان لسلسلة غارات عنيفة سببت مجازر كان أولها في منطقة العسيرة، حيث قتلت إسرائيل 8 أشخاص بينهم طفلان وسيدتان. وتتكرر هذه الاعتداءات على المدينة بشكل متتابع، مخلّفة دمارا واسعا فيها. هكذا، اختلف العيد في بعلبك عن الأعياد الماضية، حيث كانت الشوارع تعجّ بالسكان، وكانت أحاديث الناس تعلو في كل مكان. لكن غابت مظاهر الفرح هذه المرة، فلا ألعاب نارية في الطرقات ولا زينة في الحدائق. وبالرغم من غياب زحمته هذا العام، فإن تمسك الأهالي بمدينتهم وبأبسط تفاصيلها وتقاليدها، يعطي الأمل بالبقاء والاستمرار والصمود، رغم كل شيء. .