في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي، بدأت شريحة من المستهلكين الأثرياء في التوجه نحو فئة أصول غير تقليدية (المجوهرات)، ويأتي هذا التوجه بالتزامن مع تزايد الإقبال على الأصول الملموسة، حيث تبرز الأحجار الكريمة الملوّنة مثل الياقوت والزمرد والياقوت الأزرق كخيار مفضل لدى فاحشي الثراء.يؤكد ثورن بيركين، رئيس شركة «باباماركو ويلنر بيركن»، أن التقلبات الاقتصادية عادة ما تعزز جاذبية الاستثمار في الأصول الصلبة، التي تميل إلى الحفاظ على قيمتها أو حتى زيادتها مع ارتفاع التضخم.ويرى ماريو أورتيلي، الشريك الإداري في شركة «أورتيلي آند كو»، أن هناك بعداً دفاعياً واضحاً لهذا الاتجاه، مشيراً إلى أن المجوهرات ذات العلامات التجارية يمكن أن تعمل كمخزن متنقل للقيمة، خاصة في فترات التوتر الجيوسياسي وتقلب الأسواق المالية.ويضيف أن المجوهرات الأيقونية تتمتع بدورة حياة أطول بكثير مقارنة بالاكسسوارات المرتبطة بالموضة الموسمية، كما أنها غالباً ما تحقق أداء أفضل في سوق إعادة البيع مقارنة بحقائب اليد، ما يعزز من جاذبيتها كاستثمار طويل الأجل.ويقدّر لوكا سولكا، رئيس قطاع السلع الفاخرة في «بيرنستاين»، أن نحو ثلث الاهتمام المتجدد بالمجوهرات المعتمدة على الذهب والأحجار الكريمة، يرتبط بسلوك الهروب إلى الأمان لدى المستثمرين. إعادة البيع تدعم الجاذبية لعبت أسعار الذهب المرتفعة دوراً محورياً في تعزيز هذا الاتجاه، فبعد أن تجاوز سعر الأونصة 5100 دولار في يناير/ كانون الثاني الفائت، ظل الذهب يتداول عند مستويات مرتفعة تفوق 4500 دولار، ما عزز النظرة إلى المجوهرات كأداة استثمارية.ويقول أندرو براون، الرئيس التنفيذي لمنصة «ماي جيما»، إن الارتفاع شبه اليومي في أسعار الذهب ساهم في تغيير نظرة المستثمرين للمجوهرات، سواء كانت ذهبية أو مرصعة بالألماس والأحجار الكريمة، كما دفعت هذه الأسعار القياسية بعض هواة الجمع إلى بيع قطعهم، مستفيدين من ارتفاع التقييمات في السوق.ويؤكد الخبراء أن متانة المجوهرات في سوق إعادة البيع، تعد من أبرز نقاط قوتها، حيث يمكن إعادة بيعها بعد سنوات بأسعار تحافظ على قيمتها بشكل أفضل مقارنة بمنتجات فاخرة أخرى مثل الحقائب.وبحسب كارولين رايل من شركة «بيكتيت»، فإن سوق المجوهرات شهد نمواً جيداً خلال العامين الماضيين، في وقت تراجعت فيه فئات «الرفاهية الناعمة» مثل الحقائب والاكسسوارات.وتشير إلى أن هذا التحول يعود جزئياً إلى الارتفاع الكبير في أسعار الحقائب، نتيجة الطلب القوي سابقاً واضطرابات سلاسل الإمداد، إلى جانب مخاوف تتعلق بالجودة.كما أظهر تقرير من «بيرنستاين» تراجع أسعار المزادات لحقائب «هيرميس»، حيث انخفضت العلاوة السعرية لحقائب «بيركن» و«كيلي» من 2.2 مرة في 2022 إلى 1.4 مرة في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. استثمار بين العاطفة والقيمة إلى جانب العوائد المالية، تتمتع المجوهرات بجاذبية عاطفية، ويصفها بيركن بأنها استثمار شغف، حيث تجمع بين القيمة المادية والهيبة الاجتماعية.ويرى أورتيلي أن قوة العلامة التجارية والحرفية وندرة القطع، تعزز من قدرتها على الاحتفاظ بالقيمة، مشيراً إلى أن أسعار المجوهرات الفاخرة ارتفعت تاريخياً بمعدلات سنوية تتراوح بين متوسطة إلى مرتفعة.ويضيف أن المستثمرين يمكنهم، خلال فترة تتراوح بين 5 إلى 10 سنوات، إعادة بيع القطع بأسعار تفوق سعر الشراء الأصلي في كثير من الحالات.وتبرز علامات تجارية مثل «كارتييه» و«فان كليف أند آربلز» و«تيفاني آند كو» و«بولغري» كأكثر العلامات، التي تحافظ على قيمتها، حيث تشكل نحو 90% من مبيعات منصة «ماي جيما». مستقبل واعد.. مع تحديات ساهم هذا الاتجاه في جذب فئات عمرية أصغر، حيث شكل جيل الألفية وجيل «زد» نحو 44% من مشتري السلع الفاخرة لدى «كريستيز» في 2025.ويتوقع الخبراء استمرار هذا التوجه، طالما استمرت حالة عدم اليقين الاقتصادي، مع ترجيحات بأن تتفوق المجوهرات على فئات الرفاهية الأخرى.ومع ذلك، لا يخلو الاستثمار في المجوهرات من التحديات، مثل ضعف السيولة، ومخاطر الأمان، وتكاليف التخزين، إضافة إلى أنها لا تولد دخلاً مثل الأسهم أو العقارات.ويختتم أورتيلي بأن آفاق المجوهرات الفاخرة إيجابية، على المدى الطويل، لكنها تظل مرتبطة بالدورات الاقتصادية، إذ تزدهر في بيئات الاستقرار والنمو، وتتراجع في حالات الانكماش الحاد. ورغم ذلك، تبقى للمجوهرات جاذبية خاصة تتجاوز الأرقام، إذ يرى البعض فيها قيمة عاطفية وتاريخية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأحجار نادرة تشكلت في أعماق الأرض، منذ مئات آلاف السنين، ما يمنحها بعداً رومانسياً لا يمكن تكراره.