عرب وعالم / بالبلدي

استنزاف أهل النفوذ

تقاسمت إيران ودول الخليج نفوذاً غير مسبوق لكل منهما في الشرق الأوسط منذ مطلع القرن الحالي، إيران فرضت طوقاً شديد الإحكام حول الجزيرة والخليج، وصار لها توابع مهمين، كما كان لها في عصر الدولة الساسانية التي قضى عليها الفتح الإسلامي، كذلك فإن دول الخليج رغم حداثة نشأتها، فأكبرها سناً ومقاماً لم تكمل المائة عام الأولى من عمرها، إلا أنها أخذت تتمدد بكافة أشكال النفوذ، بعضُها ملأ العالم العربي حركات سلفية التوجه، وبعضُها فرض سيطرة إعلامية كاسحة على العقل العربي، وبعضُها مد نفوذه إلى حيث كانت تلعب إمبراطوريات استعمارية، كما في السودان ومنابع النيل وإثيوبيا وسد النهضة وليبيا واليمن والبحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، وجميعُها نجح في حيازة قوة دبلوماسية قادرة على التأثير في مراكز صنع القرار في عواصم القوى العظمى، كما تنافس جميعُها على استخدام قوة المال والاستثمارات في تطويع عواصم القرار العربي التقليدية.

انفتحت أمام دول الخليج خلال الفترة التي أعقبت هزيمة 1967 نوافذ لزيادة التأثير في القرار العربي، بدأت يسيرة خفيفة، ثم ازدادت بالتدريج، كلما أصابت النكسات القوى العربية الكبرى، فقد خرجت مُنهكة من ثلاثين عاماً من الحروب المتواصلة 1948 – 1978، ثم خرجت بعدما يقرب من ربع قرن من الحروب والحصار، ثم اندعكت الأنظمة الجمهورية شر دعكة في السنوات العشر التي بدأت بحادث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ثم بلغت ذروتها مع اندلاع الربيع العربي 2010 – 2011 مرورا بسنوات عجاف من الفوضى الخلاقة، ثم انهار السودان 2019، ثم انهارت 2024، في كل مرة كان ينهار أي بلد عربي كان النفوذ الخليجي يتمدد ويتسلل، ويصل إلى كل المفاصل ويجري في كل الشرايين، ويتدفق في مجمل الدورة الدموية لكل بلد عربي من داخله وفي الصميم.

كانت المعادلة واضحة وضوح الشمس: حيث تنهار الدول العربية الكبرى يتقدم النفوذ الخليجي فيها، لقد استطاعت دول الخليج عبر القوة المالية، أن تبسط نفوذها حيث مواطن الاحتياج العربي في بلاد الفقر والعسر، ومثلما كانت إيران تطوق دول الخليج، كانت دول الخليج تطوق باقي الدول العربية، هيمنة مركبة: إيران تضغط على أعصاب الخليج، ثم الخليج يضغط على أعصاب باقي العرب، حرب الثامن والعشرين من فبراير 2026 هي حرب بدأتها أمريكا وإسرائيل بالأصالة، ثم استخدمت إيران حق الدفاع عن نفسها، إذ لم يكن لها خيار غير أن تخوضها منفردة بالأصالة عن نفسها ووجودها وبقائها، رسمياً الحرب أطرافها: أمريكا وإسرائيل من جهة ثم إيران من الجهة الأخرى، إيران لم تعلن رسمياً الحرب على الخليج، والخليج لم يعلن رسمياً الحرب على إيران، لكن استنزافهما معاً قد بدأ.

مفهوم ومن الممكن تبريره أن يكون لدول مثل إيران وتركيا مطامح توسعية فوق خرائب الإقليم الذي دمرته، وما زالت تدمره السياسات الأمريكية منذ مطلع القرن الجاري حتى اليوم والغد، كذلك مفهوم أن يكون للسعودية مثل هذا الطموح، فهي لم تكن يوماً تستريح للتفوق المصري سواء في العهد الملكي أو الجمهوري، كما لم تكن تستريح للمنافسة من دول مهمة في وزن العراق وسوريا سواء في العهد الملكي تحت حكم البيت الهاشمي أو في عهود الانقلابات العسكرية وحكم الضباط البعثيين في البلدين.

  حتى ولو كانت لم تكمل مائة عام من تاريخها كدولة، إلا أنها فكرة وقوة ومشروع مهم، يعود إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، فهي بهذا المعنى، ولدت مع ميلاد الولايات المتحدة الأمريكية، وقد بدأت بروح وذهنية فتح وتوسع وغزو إمبراطوري في الجزيرة والخليج وبين النهرين على أنقاض الخلافة العثمانية المتهلكة، بدأت قوة صاعدة من بطون الفراغ ومن أرحام العدم، قوة استهلِكت من قلب ميت مثل محمد علي باشا وقلب أكثر موتاً مثل نجله إبراهيم ثماني سنوات 1811 – 1818 حتى أمكنهما القضاء عليها بتكليف من السلطنة العثمانية، وقد أثبت السعوديون الأول مقادير وافرة من الرجولة والشجاعة والبطولة، وهم يدافعون عن معاقلهم في وجه الزحف العنيف لقوات الباشا ونجله على عاصمتهم الدرعية في قلب نجد، هذه السعودية التي هي أقرب إلى قارة كاملة، كما هي مدرسة في اللعب على تناقضات السياسة الدولية وتحالفاتها ومناوراتها، عندما تكون لها طموحات توسعية في الإقليم، فإن الأمر يمكن فهمه واستيعابه سواء اتفقت معه أو اختلفت، ويكفي أنها قدمت نفسها أول مرة- قبل مائتين وخمسين عاماً- على أنها حركة إصلاحية؛ تهدف إلى تحرير العقل المسلم من الخرافات التي عادت به إلى الوثنية، ومن يقرأ الجبرتي يرى كم كان مؤرخنا متفهماً لها، بل متعاطفاً معها.

أما غير المفهوم والخارج عن نطاق العقل والتبرير، أن تتقافز في ملاعب وساحات النفوذ الإقليمي قوى ناشئة محدودة التاريخ، محدودة الجغرافيا، محدودة الديموجرافيا، غير ذات سبق حضاري من أي نوع، غير ذات نتاج علمي أو ثقافي أو فلسفي أو أدبي أو فكري بالكم والكيف الذي تفيض به على غيرها، يظل لغزاً تاريخياً، كيف اندفعت كل من دولة قطر ثم لحقت بها دولة ؛ لتقفز كل منهما فوق حقائق التاريخ والجغرافيا والديموجرافيا والحضارة، ثم تلقي بنفسها في مهلك أدوار إمبراطورية ذات ملمس استعماري فائق الخطورة.

لا يكفي لدولة ما أن تكون لديها فوائض مالية مرعبة من نفط وغاز، فتطمح أو تطمع في ممارسة سياسة توسعية، في من حولها من البلدان القريبة أو البعيدة، لا لشيء، إلا لأن الفوائض المالية يمكن ترجمتها في تأسيس مدفعية إعلام ثقيل، يضخ ويبخ على مدار الساعة، بما يكفي لغسل الأدمغة وتحريف القول عن مواضعه ودس السم في العسل والتلاعب بعقول الشعوب المستهدفة دون رحمة ولا ضمير، كما أن هذه الفوائض المالية يمكن ترجمتها إلى مِنَح أو مِنَن أو عطايا أو مساعدات أو قروض أو استثمارات، يكون بها من يعطي سيداً، ويكون من يتلقاها تابعاً، والأسوأ في هذه الفوائض المالية، أنها تُستخدم في اختراق الدول العربية الفقيرة لخلق الأتباع والمؤلفة بطونهم وجيوبهم وضمائرهم من مرتزقة السياسة والإعلام والأكاديميا، ثم الأشد سوءاً هو استخدام هذه الفوائض في التحريض السياسي، ثم خلق تنظيمات تقبل التمويل ثم تقبل التسليح ثم ترفع السلاح، فتتحول الأوطان بفعل هذه الفوائض إلى ساحات للحروب الأهلية، خاصة إذا تنافست الفوائض المالية في تمويل التنظيم ونقيضه والجماعة وخصمها وهكذا، فنكون أمام أبشع أنواع الإجرام يمارسه أغنياء النفط والغاز في حق شعوب شقيقة فقيرة، يجري تدمير أوطانها واستقرارها وأمانها، كما يجري تمزيق نسيجها الإنساني وتفكيك عُرى تماسكها الاجتماعي.

على الأقل سوف يظل العالم العربي على مدى مائة عام مقبلة، يعاني الخراب والدمار والانقسام وآثار الفوضى والحروب الأهلية التي دشنتها أمريكا، ثم سرحت فيها الدول العربية الناشئة ذات الفوائض المالية المرعبة، سوف يظل فقراء العرب قرناً كاملاً على أقل تقدير، يدفعون فواتير الرغبة في لعب دور توسعي من طرف دول الوفرة المالية.

لكن في مقابل ذلك، وبمنطق التاريخ، فإن ما فعلته دول الوفرة خلال الخمس وعشرين سنة الأخيرة، لا يمكنه أن يستمر، فعند لحظة ما سوف يتوقف لا لشيء، إلا لأنه مفتعل ومتكلف وغير منطقي وغير متسق مع منطق الأشياء في تطورها الطبيعي، أكيد أن هذا الدور لن يستمر، والأخطر أنه لن يمر مرور الكرام، فسوف تترتب عليه فواتير لا بد من سدادها، وحساب لا بد من أدائه ثم عقاب يتقن التاريخ تنفيذه.

الدور التوسعي الطارئ غير المسنود فوق حقائق صلبة في التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والثقافة والتعليم، لا يلبث أن ينقلب إلى نقيضه، لقد نجح محمد علي باشا في اعتصار مصر وامتصاص المصريين في سبيل تكوين إمبراطورية توسعية، نافست القوى العظمى في النصف الأول من القرن التاسع عشر، لكنها ظلت طارئة ثم عابرة ثم زائلة بمنطق التاريخ، فتوقفت ثم انهارت، ثم انقلبت إلى نقيضها من الضعف والهوان، والذي انتهى بالاختراق ثم الاحتلال في النصف الثاني من القرن ذاته، وبالمقارنة مع الفارق الكبير جداً، فإن الدور التوسعي لدول الثراء على حساب دول العسر سوف ينقلب إلى النقيض في أجل قريب أو بعيد.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة بالبلدي ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من بالبلدي ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا