منوعات / بالبلدي

الوساطة المصرية في الحرب على إيران: قنوات اتصال متعددة مع دوائر صنع القرار

مع تصعيد متسارع للحرب على إيران من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، ووصول المواجهة إلى محطات خطرة، تبرز الوساطة المصرية كأداة لإدارة الأزمة مع محاولات قوى إقليمية أخرى، لكن الإشكالية الأساسية تكمن في القدرة على تحقيق تخفض منسوب التصعيد، وتصل لمحطة تسوية، ومن أجل ذلك، وسعت من دوائر الاتصال بمواقع اتخاذ القرار في طهران، ومنها فتح قناة اتصال مع الحرس الثوري، لكن المهمة ليست سهلة في صراع يتسم بالتعقيد.

قبل اندلاع الحرب، اتخذت مصر موقفًا رافضًا للتصعيد، محذرة من أن الموجهات العسكرية ستطال دول المنطقة بأكملها. وبعد اندلاعها وتعقد الصراع، بادرت القاهرة للوساطة، مع تقارير عن انخراط إقليمي أوسع لتركيا وباكستان في نقل الرسائل بين الأطراف.

لكن موقع مصر بالنسبة لإيران كان مختلفًا؛ إذ كانت الوساطة المصرية ضرورة استراتيجية للحفاظ على التواصل، وتجنب الانزلاق نحو صراع أكبر، يحمي مصالحها الإقليمية ويحد من المخاطر التي تنذر بالتفاقم والاستفحال.

تظل القاهرة، قناة اتصال فعّالة بحكم علاقاتها بكل الأطراف، وقدرتها على الحديث مع الجميع دون الانحياز لأي طرف، وهو ما يعكس موقفها الرسمي الرافض للتصعيد، مع إدانتها للعدوان على دول الخليج ولبنان وسوريا، ورفض الهجوم على منشآت النفط في إيران.

هذا الموقف يمنح الوساطة المصرية شرعية إضافية لدى الأطراف كافة، ويؤكد دورها كعامل استقرار محتمل، ويحمل صورة بالنسبة لطهران عن نزاهة القاهرة، واشتراكهما معا في مرتكزات استراتيجية، منها الموقف من إسرائيل، وتقدير استراتيجي بأنها مُهَدِد دائم، وأن تحقيق نصر على طهران أو اضعافها يعد خصما من موقع القاهرة ومصالحها على المدي الطويل.

النموذج المصري: إدارة الاتصال دون انحياز

تعتمد القاهرة على استراتيجية دقيقة لإدارة الاتصال مع جميع الأطراف المتصارعة، دون الانخراط في تحالف واضح، مع إبراز مصالحها الوطنية والاستراتيجية.

تحليل البيانات الرسمية يشير إلى استمرار الاتصالات المكثفة لمنع الوصول إلى تصعيد أعلى، والتركيز على خفض التوتر، وإدارة الأزمة بدقة وتوازن لا يخفي الثوابت والمصالح بين الأطراف.

هذا النهج يمنح مصر القدرة على العمل كوسيط موثوق، وتمهيد الطريق لتسوية تفاوضية محتملة، تحمي الدولة الإيرانية من الانهيار، وتحد من توسع العدوان الإسرائيلي، وتعزز مكانة مصر الإقليمية مع تقليل الخسائر السياسية والاقتصادية. في الوقت نفسه، مع دور قد يساهم في  حل أزمة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يعكس قدرة الوساطة على التوازن بين مصالحها ومصالح القوى الكبرى، ويحظى بتقدير من أطراف أوروبية .

الإدراك الإيراني لمصر ودورها

في الحسابات الإيرانية، لا تُصنف مصر كطرف معادي، بل كشريك إقليمي مهم وإن كان منافس، وكانت الاتصالات المستمرة بين الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره المصري توضح درجة من التفاهم والتنسيق، وسعي لتجاوز التصعيد والوصول الى حلول في الملف النووي خلال العام الماضى، وما زالت هذه الاتصالات تحتفظ بهذا الهدف، وبهذا القاهرة تُعد وسيطًا عمليًا وموثوقًا، مرحبًا به من قبل طهران، ودون كلفة سياسية كبيرة مقارنة بباقي الأطراف كما تركيا وباكستان وأذربيجان.

استطاعت القاهرة بهذه المكانة الإقليمية والدولية، وتصور طهران عنها، ان تمرر مقترحات لتقليل التصعيد والتواصل مع دول الخليج وأمريكا والأطراف الإقليمية الأخرى، دون التعقيدات الناتجة عن التصنيف ضمن دوائر الانحياز المباشر لأي من أطراف الصراع.

من هنا يظهر أن التعامل مع الحرس الثوري ومراكز القرار الإيرانية أصبح أمرًا ضروريا لنجاح الوساطة المصرية ضمن مع مواقع القرار الإيرانية من جهة، في ظل بروز أوضح لدور الحرس الثوري خلال التصعيد العسكري واعتباره مركزا مهما في اتخاذ قرار التهدئه والتوصل الى حلول عبر نقاط تفاوض رئيسية خلال الحرب، ترتبط  نقاطها مع ما طرح سابقا قبل الحرب ومنها  البرنامج النووي والعقوبات المفروضة على إيران.

شبكة العلاقات المصرية–الإيرانية

تاريخ العلاقات بين مصر وإيران شهد تقلبات كبيرة، من تباينات قبل 1979 إلى قطيعة طويلة بعد الثورة الإيرانية، وحتي المرحلة الحالية والتي سبقها اتصالات مكثفة تنامت في فترة الحرب على غزة.

مع احتدام الأزمة مجددا بعدوان امريكي اسرائيلي منسق، طرحت القاهرة جهود الوساطة على الأطراف المختلفة، وسعت لتعزيز التواصل مع ايران، عبر شبكة اتصال وظيفية متعددة المستويات: دبلوماسية، ورئاسية، وأمنية، مع حول ملفات إقليمية عدة ومتداخلة.

هذه الشبكة، وفرت نافذة لإدارة النزاع وحققت للقاهرة قدرة على الحوار تعزز دور الوساطة الحالية، وستكون مفيدة مستقبلا، وفي الوقت الراهن هذه القنوات تُمكِن مصر من الوصول إلى مواقع اتخاذ القرار الإيرانية المختلفة، بما فيها الحرس الثوري، دون أن تُسقِط دورها كوسيط محايد.

صعود دور الحرس الثوري: محور القرار

مع اندلاع الحرب، أصبح الحرس الثوري المحور الأساسي في صنع القرار الإيراني، حيث تحدد سياساته اتجاه أي مفاوضات أو تحركات عسكرية. وتتصدر في هذا السياق كذلك الشخصيات المرتبطة بالحرس، مثل محمد باقر قاليباف، والذى يعد ضمن الفاعلين الرئيسيين في أي تفاوض.

من هذا المنظور، الوساطة التقليدية عبر القنوات الدبلوماسية وحدها لم تعد كافية، وأصبح الحوار المباشر مع الحرس شرطًا لفاعلية أي وساطة.

هذا التبلور للدور المصري لم يكن وليد التطورات الأخيرة، لكن أسست له محطات سابقة من علاقات دبلوماسية، ضمت بجانب المسئولين الدبلوماسيين، ممثلي الأجهزة الأمنية، وكان حضور مدير جهاز المخابرات المصري اجتماعات دبلوماسية، مؤشرا على توسيع دوائر الاتصال والتشاور على مستويات متعددة، بحكم ان الصراع يحمل جوانب أمنية وعسكرية متشابكة.

هذا  سهل فتح قنوات مع الحرس، وساهم في تقديم مقترحات للحد من التصعيد، وتهيئة بيئة تفاوض يمكن أن تقبلها واشنطن وطهران، وهو ما يعكس أهمية هذه القنوات في إدارة الأزمة.

توسيع الوساطة إلى البعد الاستخباراتي

مع استمرار الأزمة، وسعت مصر وساطتها لتشمل الاتصال المباشر مع دوائر صنع القرار الإيرانية والحرس الثوري. وشارك رئيس المخابرات المصرية في لقاءات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومسئولين إيرانيين آخرين، ضمن وفود متخصصة في الملفات الأمنية والسياسية.

هذا البناء متعدد المستويات، دبلوماسي، إقليمي، واستخباراتي، يعزز قدرة القاهرة في الوساطة، عبر اتصال مع مراكز القرار الفعلية، ويجعل الدور أكثر فعالية واستدامة، حيث تسهم هذه القنوات مستقبلا، في تعزيز إمكانات واّفاق للتأثير في الملفات الإقليمية، إفريقيا؛ البحر الأحمر والقرن الإفريقي- وسوريا ولبنان والعراق، بحكم تأثير الحرس الثوري الممتد .

ديناميات التفاوض: تشدد إيراني وهامش تكتيكي

يتضمن الموقف الإيراني مطالب تشمل ضمانات بعدم تكرار الهجمات وتعويضات، ودور في مضيق هرمز عبر خلق آليات تنظيم للملاحة، إلا أن التيارات الأكثر ميلا للمواقف الأشد صلابة، كما الحرس الثوري،  قد تُظهر مرونة تكتيكية عند مواجهة تهديد وجودي، ما يتيح مساحة لمصر للتفاوض عبر قنوات غير مباشرة ضمن سقف محدد، دون القدرة على  تمرير تسوية شاملة، لكن الفرص قائمة بالنسبة للقاهرة للقيام بهذا الدور أكثر من اى طرف إقليمي أو دولي آخر .

الوساطة المصرية يمكن أن تحقق تأثيرًا ضمن هذا السقف، ما يتيح حماية مصالح القاهرة الإقليمية، مع إمكانية تقليل الأضرار على دول المنطقة، واستفادة القوى الدولية من حل معضلة مضيق هرمز .

قنوات اتصال فعّالة بحدود واضحة

قوة القاهرة تكمن في قدرتها على الحفاظ على قنوات اتصال مع الأطراف الإيرانية المختلفة، بما فيها الحرس الثوري، وتخفيف التصعيد مؤقتًا، وتهيئة بيئة تفاوض.

رغم محدودية القدرة على فرض تسوية شاملة بسبب اتساع الفجوة بين واشنطن وطهران، إلا أن الاتصال بالحرس الثوري، يمنح مساحة حوار أكبر، وتواصل مصر لعب دور الوسيط، مع قدرة على  الحوار مع دوائر اتخاذ القرار الأمنية والاستخباراتية، ما يعزز دور الوساطة، وقد استفادت مصر من خبرات سابقة للتعامل مع الفصائل الفلسطينية، منها حماس والجبهة الشعبية وغيرها من القوى، وكذلك من خبراتها في  الملف الليبي والسوداني، رغم خصوصية كل حالة.

وقد أظهر طرح مصري حول تنظيم الملاحة في مضيق هرمز وتأجيل بعض الضربات العسكرية، قدرة  على المناورة الدقيقة بين هدفين متناقضين: حماية مصالحها في أمن الخليج والممرات الحيوية، وفي الوقت نفسه التعامل مع الحرس الثوري كواقع سياسي وعسكري يمكن الحوار معه بجانب القنوات الدبلوماسية، مع عدم إضعاف نظام طهران، إذ أن الضعف من شأنه أن يسمح بتوسع إسرائيلي أكبر في المنطقة، وهو ما يفهمه الحرس الثوري جيدا.

اجمالا، يمكن القول إن مصر استطاعت توسيع قنوات الاتصال مع دوائر صنع القرار الإيرانية، وتقديم مبادرات عملية لتخفيف التصعيد، بما فيها مقترحات تقنية وسياسية محددة.

وتتضح فرص الوساطة المصرية في التأثير وإدارة الأزمة ضمن حدودها، لكنها في الوقت نفسه، تواجه تحديات واضحة تشمل الزخم الذي استمدته الجهات الإيرانية الموصوفة تقليديا بالتشدد بعد الاغتيالات الأخيرة، والاختلافات في العقيدة السياسية بين مصر وطهران،  لكن هذا لا يمنع  استمرار القنوات، بما  يعزز موقع مصر كوسيط موثوق، ويتيح  الاستفادة مستقبليًا في إدارة الملفات التي تمثل شاغلا لها، إلى جانب تأكيد مصر على قدرتها في التأثير وخفض التوترات والصراعات، بالالتزام بالنزاهة  والوضوح في المواقف، ورفض التدخل في شؤون الغير أو الانخراط في صراعات تضر دول المنطقة، من خلال تعزيز تقارب تفرضه الضرورة مع إيران .

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة بالبلدي ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من بالبلدي ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا