سنا خان* يواجه الهدوء السياسي الذي طبع فترة حكم جورجيا ميلوني أول اختبار جدّي له، مع امتداد تداعيات الحرب الإيرانية إلى الاقتصاد الإيطالي، وبدء تآكل الأسس التي قامت عليها حالة الدعم الداخلي وثقة الأسواق.على مدى أكثر من ثلاثة أعوام، بدت إيطاليا استثناءً في المشهد الأوروبي، إذ جمعت بين قدر نسبي من الاستقرار والانضباط المالي، إلى جانب مقاربة دولية براغماتية. غير أن هذا التوازن بات اليوم تحت ضغط متزايد، مع ارتفاع أسعار الطاقة، وتقلبات الأسواق، واضطرابات التجارة، التي كشفت عن هشاشة هيكلية ظلت قابلة للاحتواء في أوقات أكثر هدوءاً.ظهرت أولى إشارات التوتر في الأسواق المالية، مع اتساع الفارق بين عوائد السندات الإيطالية ونظيرتها الألمانية، وهو مقياس رئيسي لثقة المستثمرين، بشكل ملحوظ بعد أن سجلت أدنى مستوياتها منذ سنوات في وقت سابق من العام. ويعكس هذا التحول مزاجاً عاماً يميل إلى تجنب المخاطر بفعل الاضطرابات الجيوسياسية، إلا أن عبء الدين المرتفع في إيطاليا يجعلها أكثر حساسية لهذه التقلبات.وتأتي زيادة كلف الاقتراض في توقيت بالغ الحساسية. فالحكومة الإيطالية تخضع بالفعل لتدقيق بسبب إخفاقها في خفض العجز إلى المستويات التي يحددها الاتحاد الأوروبي، ما يحدّ من هامشها المالي قبيل الدورة الانتخابية المقبلة. ومع ارتفاع العوائد، تجد روما نفسها أمام معادلة صعبة: دعم الاقتصاد دون تقويض مصداقيتها في أعين المستثمرين.جوهر الأزمة يكمن في الطاقة. فاعتماد إيطاليا الكبير على واردات الوقود يجعلها عرضة مباشرة لصدمات الأسعار المرتبطة بالاضطرابات في محيط مضيق هرمز. وقد انعكست قفزات أسعار الغاز سريعاً على كلف الكهرباء، ما أثقل كاهل الأسر والشركات على حد سواء.وهذه الديناميكية تحمل حساسية سياسية واضحة. فقد بنت ميلوني جزءاً من رصيدها على استقرار كلف الطاقة عقب الأزمة التي أحدثتها الحرب الروسية في أوكرانيا. أما الارتفاع الحالي، فيهدد بتبديد تلك المكاسب، وإعادة إحياء الضغوط التضخمية، والضغط على الدخول الحقيقية.في القطاع الصناعي، الذي يعاني أصلاً ضعف الطلب وتحديات هيكلية، تبرز صدمة إضافية ناجمة عن ارتفاع كلف الإنتاج. الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، لاسيما في شمالي البلاد، تشكل قاعدة دعم أساسية لميلوني، وكان استمرار تأييدها أحد أعمدة قوتها السياسية.لكن إذا استمرت أسعار الطاقة المرتفعة، وتراجع الطلب العالمي أكثر، فقد يتآكل هذا الدعم تدريجياً. الخطر لا يكمن في رد فعل سياسي فوري، بل في تراجع تدريجي لثقة مجتمع الأعمال، الذي قبل حتى الآن بنمو ضعيف مقابل الاستقرار.ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند الصناعة، بل تمتد إلى الزراعة. فقد أدت اضطرابات سلاسل الإمداد إلى ارتفاع كلف الأسمدة، خصوصاً المنتجات النيتروجينية الحيوية للقطاع الزراعي الإيطالي، ما يهدد الإنتاج والصادرات في قطاع يحمل وزناً اقتصادياً وثقافياً كبيراً.كما تكشف تأخيرات وخسائر الصادرات الزراعية، خاصة إلى أسواق الخليج، كيف تتجاوز آثار الحرب مسألة الأسعار لتطول البنية اللوجستية نفسها. فترابط التجارة العالمية يعني أن النزاعات البعيدة يمكن أن تتحول سريعاً إلى كلف داخلية ملموسة.السياحة، وهي ركيزة أخرى للاقتصاد الإيطالي، بدأت بدورها تُظهر مؤشرات ضعف. فالزوار الأثرياء من دول الخليج، الذين يمثلون شريحة سريعة النمو وعالية الإنفاق، يتأثرون بعدم الاستقرار الإقليمي وتعطل مسارات السفر.ورغم إمكانية تعويض جزء من هذا التراجع عبر زوار من مناطق أخرى، فإن نمط إنفاق السياح الخليجيين يجعلهم أكثر قيمة. وتشير تقديرات أولية إلى خسائر ملحوظة في الإيرادات، خاصة خلال موسم الربيع وعطلة عيد الفصح.المحصلة حتى الآن لا ترقى إلى أزمة شاملة، لكنها تمثل تحولاً واضحاً في الاتجاه. فقد استند «شهر العسل» السياسي لميلوني إلى صورة من الكفاءة والاستقرار في عالم مضطرب، غير أن الحرب الإيرانية تضع هذه الرواية على المحك، عبر صدمات خارجية يصعب التحكم فيها ومكلفة في امتصاصها.السؤال الجوهري يتمثل فيما إذا كانت هذه الضغوط الاقتصادية ستترجم إلى تداعيات سياسية. فإذا استقرت أسعار الطاقة وتراجع التصعيد، قد يبقى الأثر مؤقتاً. أما إذا استمرت الاضطرابات، فستواجه الحكومة بيئة أكثر تعقيداً، تتقاطع فيها قيود المالية العامة مع ضغوط الأسواق ومخاوف الناخبين.حتى الآن، لا تزال ميلوني تتمتع بقدر من الأمان السياسي. لكن هامش الخطأ يتقلص، واستدامة الاستقرار الإيطالي باتت تعتمد بشكل متزايد على عوامل تتجاوز حدود روما. * محررة الأخبار في موقع «مودرن دبلوماسي» (مودرن دبلوماسي)