منذ عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، بدأت البنوك المركزية حول العالم تخفّض حيازاتها من الدولار، وتزيد في المقابل احتياطياتها من الذهب. لم يكن ذلك تحوّلاً عفوياً، بل جاء في سياق استخدام واشنطن عملتها كأداة نفوذ سياسي، خصوصاً عندما لجأت إلى نظام المدفوعات الدولية «سويفت» لمعاقبة روسيا عقب ضمّها شبه جزيرة القرم عام 2014. ثم تكرّر النهج ذاته لاحقاً مع العقوبات الواسعة وتجميد الأصول بعد حرب أوكرانيا. الرسالة كانت واضحة، وهي أن الاعتماد المفرط على الدولار والمؤسسات المالية الغربية يجعل الدول أكثر عرضة للإكراه الاقتصادي.في موازاة ذلك، استمر الدين العام الأمريكي في التضخم ليقترب من 40 تريليون دولار، فيما تقترب مدفوعات الفائدة السنوية من تريليون دولار. قبل عقدين فقط، أثار تجاوز الدين حاجز 6 تريليونات ضجة واسعة في واشنطن، مع تحذيرات من أن الإنفاق غير المنضبط قد يقود إلى انهيار مالي عالمي. لكن تلك التحذيرات تلاشت، وتحولت كلمة «التقشف» إلى مصطلح غير مرغوب فيه، لتواصل حكومات الولايات المتحدة وأوروبا وسائر العالم سياسة الإنفاق المفتوح، تاركة «قنبلة الديون» تنمو بصمت. لكن اليوم، يبدو النظام الاقتصادي العالمي يقف على أرض مهتزّة.منذ تأسيس الاحتياطي الفيدرالي عام 1913، أو منذ فك ارتباط الدولار بالذهب في 1971، والبعض يحذّر من «هرمغدون» أو انهيار مالي. في المقابل، يراهن آخرون على قدرة البنوك المركزية على ابتكار أدوات مالية معقّدة تُبقي النظام قائماً، حتى وإن بدا أشبه بآلة هشّة تعمل بوسائل ترقيعية.لكن، بعيداً عن الجدل النظري، ثمة حقيقة لا يمكن تجاهلها، أصبحت المؤسسات الاقتصادية الكبرى، التي يُفترض أنها تضمن حيادية النظام الدولي القائم على القواعد، جزءاً من حرب هجينة تدور على مستوى العالم. فإلى جانب الدعاية والتضليل، والتجسس، والتخريب الصناعي، والاختراق الرقمي، تبرز الحرب الاقتصادية كأداة مركزية في صراع القوى الكبرى.ضمن هذا السياق، يستمر الدولار في الصمود، ليس لقوته المطلقة، بل لأنه يشبه منطق «الدمار المتبادل المؤكد» الذي حكم توازنات الحرب الباردة. فالدول المنافسة للولايات المتحدة، رغم رغبتها في تقويض نفوذها، تدرك أن ضرب النظام المالي القائم سيضرّ بها أيضاً، نظراً لارتباط اقتصاداتها الوثيق بالدولار.في هذا الاشتباك المتوازن، تتجه الدول إلى تعزيز مواقعها عبر الأصول الملموسة، كالذهب والطاقة، ولاسيما النفط والغاز. هذه الموارد تشكّل، في نظر كثيرين، بوليصة تأمين ضد مستقبل مالي غير مستقر، فإذا انهار الدولار، ستتساقط العملات الورقية الأخرى تباعاً. وإذا لم تنجح العملات اللامركزية مثل بيتكوين في فرض نفسها، ستلجأ الحكومات إلى إصدار عملات رقمية خاضعة لسيطرتها. * كاتب عمود في «أميركان ثينكر»