رغم كل ما يشهده العالم من حروب حقيقية تلقي بتبعاتها على مختلف الدول القريبة والبعيدة، ويتأثر بسببها الاقتصاد والطاقة والبورصة، يبقى الخيال الأمريكي واسعاً ويميل باستمرار إلى البطولات الخارقة، وكأن الكرة الأرضية لم تعد تتسع لتلك البطولات والحروب. لذلك، يميل صناع الأفلام إلى خلق معارك مع كائنات فضائية ومخلوقات عجيبة أو آلات مصنّعة ومرسلة إلى كوكبنا من أجل إبادة البشرية!هكذا ينتقل فيلم «آلة الحرب» المعروض حديثاً على «نتفليكس»، من واقع عاشه الجنود الأمريكيون في أفغانستان إلى حرب دموية مع آلة حديدية أرسلتها كائنات فضائية، ولأن الختام بقي مفتوحاً، نتوقع أن يتحول الفيلم إلى سلسلة تحت عنوان «آلة الحرب».عشاق أفلام الحروب والأكشن سيستمتعون بمشاهدة «آلة الحرب»، فهو لا يخرج عن إطار المعارك والقتال، بل لا يخرج عن حدود الحياة العسكرية، سواء في مشهد البداية في أرض صحراوية قيل إنها في قندهار أفغانستان، أم في قاعدة تدريب الصاعقة في أمريكا والأماكن التي تجري فيها التدريبات القاسية للمتقدمين للانتساب، لا مدنيين في الفيلم، ولا يقدم لنا المؤلف والمخرج باتريك هيوز، شاركه في الكتابة جيمس بوفورت، أية لمحة عن الحياة الشخصية لأي من أبطاله، باستثناء البطل الرئيسي الذي يؤديه آلن ريتشسون الذي نرى شقيقه الأصغر في بداية الفيلم لأنه جندي أيضاً من الجيش الأمريكي في أفغانستان، لا عائلات ولا منازل ولا خلفيات وحكايات اجتماعية يحكي فيها كل جندي عن نفسه وأسرته كما جرت العادة في أغلبية الأفلام الأمريكية حيث يكون الهدف كسب تعاطف الجمهور مع العسكريين. نحن أمام فيلم عسكري حربي بلا أية مساحة للعواطف أو للهدنة، واللافت أنه يمشي وفق إيقاع الصاعقة المعروف عنها شدتها في التدريبات وقسوتها في التعامل مع المنتسبين بلا رحمة وبلا أي تعاطف، لذلك تشعر بأنك أمام نوعين من آلات الحرب: واحدة بشرية تنفذ الأوامر مهما كانت قاسية وبدون شفقة أو أي مجال للتعاطف أو التفاوض، وواحدة حديدية تنفذ فيها الآلة أو الروبوت تعليمات القتال بشكل أعمى. ميزة ربما أهم مميزات هذا الفيلم أنه يقدم إثباتاً على عجز الإنسان أحياناً أمام الآلة إذا ما تمكنت منه وأعطيت أوامر لتنفيذها، الآلة لا تميز بين صالح وطالح، بل تدمر كل ما تراه متحركاً أو حياً أمامها، وتطارد هدفها وتشكل خطراً عليه إذا لم يتمكن من السيطرة عليها أو فهم ألغاز تركيبتها.يبدأ «آلة الحرب» كأي فيلم حرب نمطي، لكنه يتطور لينتقل في نصفه الثاني إلى ما هو غير متوقع، ينطلق من مشهد مغادرة مجموعة من الجيش الأمريكي قندهار في أفغانستان، وفجأة تتعطل إحدى المركبات في الصحراء فيأتيهم دعم من فرقة أخرى، حيث يلتقي الشقيقان الأكبر والأصغر، وبعد مزاح وإظهار وشمهما المتشابه والذي يعني «لا نستسلم أبداً»، يصر الشقيق الأصغر على شقيقه أن يلتحقا بالصاعقة فور عودتهما إلى أمريكا، في البداية رفض الأكبر لأنه غير مقتنع بالفكرة، وما إن يفترقان على وعد بالالتحاق سوياً يتعرضون لهجوم لا نرى مصدره، يُقتل فيه الجميع باستثناء الأخ الأكبر الذي يصاب إصابة بليغة في ركبته، ثم نراه بعد عامين متقدماً للالتحاق بالصاعقة، وهو أمر يمكنك بسهولة تكهنه وفق ما عودتنا عليه السينما الأمريكية، لم يذهب حباً بالصاعقة بل لينفذ رغبة أخيه الذي قُتل ولم يتمكن من إنقاذه. تحدٍ في الصاعقة لا ينادون المجندين أو الملتحقين بأسمائهم بل يمنحونهم أرقاماً تصبح في هويتهم، وبطل الفيلم آلان ريتشسون يصبح اسمه 81 يتم قبوله بعد رفضه لخمس مرات لأنه غير لائق طبياً، هذه المرة يتحداه القائد وهو على قناعة بأنه لن يتمكن من مواصلة التدريبات واجتياز كل الاختبارات حتى المرحلة النهائية والتي يطلقون عليها «مسيرة الموت».81 صاحب البنية الجسدية الصلبة والعزيمة الشديدة، يفاجئ الجميع بقوة إرادته وعناده، ويصل إلى المرحلة النهائية حيث يتم تعيينه قائداً للمجموعة المتبقية من المتدربين. طوال فترة الاختبارات يظهر لنا المخرج هيوز صعوبة ما تفرضه أكاديمية «الرينجرز» على الحالمين بالالتحاق بها، وفي مهمتهم الأخيرة يجهل «الرينجرز» ما الذي ينتظرهم ويتوقعون أوامر واختبارات شديدة الصعوبة ومفاجئة، يصلون إلى المكان المطلوب وينتظرون قليلاً لاستكمال الطريق، إلا أن ضربة مفاجئة تجعلهم يقررون الانطلاق سريعاً نحو الهدف التالي، معتمدين على جهاز الإشارة والبوصلة، لكن المفاجأة أو الصدمة الكبرى عندما يكتشفون أن الخلل الذي شعروا به في التقاط الإشارة للتواصل مع القادة وفي البوصلة كان نتيجة وجود آلة حربية، روبوت ضخم يمشي ويقوم بمسح بالليزر لكل ما يراه أمامه ثم يطلق النار فيقضي عليهم ثم يقوم بحرقهم. تحول اكتشاف الروبوت جاء بعد فوات الأوان وبعد وقوع قتلى من المجموعة، هنا ينقلب الفيلم إلى حرب حقيقية بين الإنسان والآلة، لم نعد في إطار التدريبات الصعبة والاختبارات العنيفة، بل أمام قتل مباشر وينتقل المخرج باتريك هيوز من العنف غير الدموي إلى القتل الجماعي وتصوير التشوهات والجثث المتقطعة أو المحروقة.. سرعة في الإيقاع لا بد منها خلال تلك المطاردات العنيفة والمخيفة بين الرينجرز والآلة، لا يعرفون من أين أتت، يتساءلون في البداية إن كانت خدعة من القيادة ثم يدركون سريعاً أنها عدو حقيقي، فمن يتحكم بتلك الآلة؟ هل هي الصين أم روسيا؟ إلى أن نصل إلى نتيجة حتمية، كائنات فضائية تتحكم بالآلة لتقضي على البشر، وعلى المجموعة الإسراع لإبلاغ القيادة من أجل حماية البشر، فهل يستطيعون النجاة من هذا الكائن الحديدي الضخم والذي يحارب بوسائل شديدة التطور، ولا تؤثر فيه كل القنابل والأسلحة التي يحملها رجال الصاعقة؟.حركة البوصلة التي تصبح تدور مثل الدولاب دون توقف كإشارة على اقتراب الآلة من المجموعة، تذكّرنا بمشهد تموجات المياه التي تدل على اقتراب الديناصور الضخم في فيلم «جوراسك بارك». الإخراج جيد، والسيناريو الذي تشارك في كتابته هيوز وجيمس بوفورت، متوقع باستثناء دخول الآلة على الخط، حتى النهاية انتصرت للبطل الأول والأوحد 81، لكن لا تبحث عن حوار أو مفردات لها قيمة ومعنى، الحرب ومحاولة النجاة من آلة لا تتأثر بالرصاص هما الأساس، لذلك يلعب الإخراج دوراً أكبر، وقد نجح هيوز في جعل الجمهور متوتراً مترقباً طوال الوقت، خصوصاً مع انتقال أبطاله من موقع إلى آخر طوال المطاردات ما بين غابة ونهر يجرفهم حتى الوصول إلى شلالات، ثم غابة أخرى وأرض موحلة وأراض خالية من أي كائن بشري. ظهور شرفي آلن ريتشسون المعروف بأدوار الحركة في السينما والتلفزيون، مناسب جداً لشخصية البطل ذي الملامح الحادة، الكتوم المتجهم معظم الوقت، في المقابل يظهر النجمان إيساي موراليس ذو الملامح الصارمة بشخصية توريس ودينيس كويد بشخصية شيريدن في أدوار قيادية في أكاديمية رينجرز، لكن ظهورهما شرفيّ وقصير جداً. [email protected]