بعد ان استعرضنا لعبة The Occultist على Steam تقدم تجربة رعب مستوحاة من Resident Evil 7 و The Sinking City الجزء الأول نستكمل القائمه في الجزء الثاني. كيف تجسد The Occultist رعب الكوني المجهول يعتمد الرعب الكوني الذي يوصف كثيرا أيضا بأنه الرعب المرتبط بإرث Lovecraft على نوع مختلف تماما من الخوف مقارنة بما تقدمه أعمال الرعب التقليدية. فهو لا يركز في الأساس على الخطر الجسدي المباشر ولا يجعل مصدر الرهبة محصورا في مطاردة أو وحش أو تهديد يمكن رؤيته بوضوح والتعامل معه بشكل مباشر. بل يقوم هذا النوع من الرعب على أفكار أوسع وأعمق ترتبط بالوجود نفسه وبحدود الفهم البشري وبإدراك الإنسان أنه أصغر بكثير من أن يحيط بما يواجهه أو يفسره أو يسيطر عليه. ولهذا فإن أثره لا يتولد من الصدمة اللحظية فقط بل من الشعور الثقيل بأن العالم يخفي وراءه حقائق هائلة ومرعبة تتجاوز قدرة العقل على الاستيعاب. وفي هذا النوع من القصص لا يكون الجنون مجرد نتيجة جانبية للخوف بل يصبح جزءا من الفكرة الأساسية نفسها. فالشخصية لا تنهار لأنها رأت شيئا مخيفا فحسب بل لأنها اقتربت من حقيقة لا ينبغي للبشر أن يعرفوها أو لمحت وجودا أضخم من كل المقاييس التي اعتادت عليها. وهذا ما يمنح الرعب الكوني طابعه الخاص لأن التهديد فيه لا يأتي فقط من المخلوق أو الحدث بل من المعنى الكامن خلفه. فكل اكتشاف جديد لا يفتح بابا إلى الفهم بقدر ما يوسع مساحة العجز والذهول والاضطراب. ولهذا كثيرا ما تدور قصص هذا النوع حول طوائف غامضة أو كيانات غير بشرية أو أسرار قديمة ترتبط بعالم أوسع وأكثر ظلمة من الواقع المألوف. وفي مثل هذه الحكايات لا تكون الكارثة الكبرى دائما في التعرض للأذى الجسدي بل في إدراك أن ما كان يبدو ثابتا ومفهوما في العالم ليس إلا قشرة رقيقة تخفي وراءها شيئا أعمق وأكثر رعبا. وهذه الفكرة تجعل الرعب الكوني شديد التأثير لأنه لا يهدد حياة الإنسان فقط بل يهدد تصوره عن نفسه وعن العالم وعن مكانه داخل هذا الكون. ومن هنا تبدو The Occultist لعبة مناسبة جدا لاحتضان هذا النوع من الرعب لأنها لا تبني تجربتها على القتال أو المواجهات الصريحة بقدر ما تبنيها على الغموض والاستكشاف والتوتر النفسي والشعور بأن الحقيقة نفسها قد تكون أخطر من كل ما يمكن مواجهته بالسلاح. فالبطل هنا ليس مقاتلا يسعى إلى القضاء على الشر بقدر ما هو محقق يحاول فهم ما حدث وما الذي يختبئ خلف الأحداث الغريبة في جزيرة Godstone. وهذا الاختيار مهم جدا لأن الرعب الكوني يزداد قوة حين تكون المعرفة نفسها عبئا وحين يصبح السعي إلى الحقيقة رحلة نحو فقدان اليقين لا استعادته. كما أن ألعاب الفيديو تملك أدوات خاصة تجعلها قادرة على تقديم الرعب الكوني بصورة مميزة لأن هذا النوع لا يعتمد فقط على السرد بل على التجربة المباشرة وعلى ما يشعر به اللاعب أثناء اللعب. ويمكن للعبة أن تعبث بإدراك اللاعب وأن تشككه فيما يراه وفيما يفهمه وفيما إذا كان العالم من حوله ثابتا بالفعل أو أنه يتغير تبعا لقوى لا يستطيع تفسيرها. وهذه القدرة على التلاعب بالإحساس والوعي البصري والسمعي تمنح ألعاب الرعب الكوني بعدا إضافيا لأن اللاعب لا يقرأ عن اضطراب الإدراك فقط بل يعيشه بنفسه خطوة بعد أخرى. وفي حالة The Occultist يبدو أن هذا التوجه حاضر بوضوح من خلال تركيز اللعبة على الأدوات الغامضة وعلى كشف ما لا تراه العين المجردة وعلى التفاعل مع الزمن والبيئة بطريقة تتجاوز الواقع الطبيعي. فحين تستخدم اللعبة أداة تكشف أشياء خفية أو تمنح وسيلة لرؤية ما لا ينبغي أن يكون مرئيا فإنها لا تقدم مجرد آلية لعب مفيدة لحل الألغاز بل تعزز أيضا جوهر الرعب الكوني نفسه. لأن الخوف هنا لا يأتي فقط من الشيء المخفي بل من فكرة أن العالم كان يحتويه طوال الوقت وأن الإدراك البشري كان أعجز من أن يلاحظه. تجسيد الإدراك الماورائي والرعب الكوني في The Occultist يبدو أن The Occultist تحاول استغلال طبيعة الوسيط التفاعلي بأفضل صورة ممكنة من أجل تقديم الرعب الكوني بطريقة لا تكتفي بالسرد أو المشاهد السينمائية فقط بل تجعل اللاعب يعيش هذا الاضطراب بنفسه داخل التجربة. ويتضح ذلك من الطريقة التي تتعامل بها اللعبة مع فكرة الإدراك المحدود لدى الإنسان ومع الحدود التي تفصل بين العالم المادي والعالم الماورائي. فبدلا من تقديم الرعب على أنه تهديد مباشر يمكن تحديده بسهولة تبدو اللعبة وكأنها تبني خوفها على حقيقة أكثر إزعاجا وهي أن الإنسان قد يكون عاجزا بطبيعته عن رؤية الصورة الكاملة لما يحيط به. وفي أحد العروض السينمائية يتحدث Alan عن صراع دائم بين الخير والشر ثم يطرح فكرة شديدة العمق حول عجز الإنسان عن وصف ما لا يستطيع إدراكه. ومن خلال هذا الطرح تتحول المسألة من مجرد حكاية عن الأشباح أو الظواهر الخارقة إلى تأمل أوسع في ضعف الحواس البشرية وحدود المعرفة نفسها. فاللعبة لا تكتفي بالإيحاء إلى وجود عالم خفي بل تؤكد أن البشر يعيشون وهم الرؤية الكاملة بينما هم في الحقيقة محجوبون عن طبقة أخرى من الواقع أكثر غرابة وأشد رهبة. وهذا التصور يمنح The Occultist روحا كونية واضحة لأن الرعب هنا لا يأتي فقط من الكائنات أو الطقوس أو الأماكن الملعونة بل من الإدراك بأن الواقع أعقد بكثير مما يبدو عليه. فحين يصنف Alan البشر على أنهم عاجزون عن رؤية العالم الماورائي فهو لا يتحدث عن قصور بسيط يمكن تجاوزه بسهولة بل عن نقص جوهري في طبيعة الإنسان نفسها. وهذا هو النوع الحقيقي من الخوف الذي يميز الرعب الكوني لأن مصدره لا يكون مجرد وجود شيء مخيف بل حقيقة أن هذا الشيء كان موجودا طوال الوقت خارج حدود فهمنا. ومن هنا تكتسب قدرات Alan بوصفه محققا في الظواهر الخارقة أهمية خاصة داخل بنية اللعبة. فهو لا يتميز فقط لأنه يعرف كيف يواجه الأحداث الغريبة بل لأنه يمتلك الوسائل التي تسمح له برؤية الطبيعة الحقيقية للعالم. وهذا يجعل دوره أعمق من دور بطل يبحث عن إجابات لأنه يصبح أشبه بجسر بين الواقع الذي يعرفه البشر والعالم الخفي الذي ظل بعيدا عن إدراكهم. وكلما ازداد انفتاحه على هذه الطبقة الماورائية بدا واضحا أن المعرفة في هذه اللعبة ليست مطمئنة بل ثقيلة ومخيفة وتحمل معها ثمنا نفسيا وفكريا كبيرا. وفي الوقت نفسه لا تعتمد The Occultist على الرعب الكوني وحده بصورته المجردة بل تمزجه أيضا بأنظمة سحرية قريبة من التصورات الشعبية التقليدية. وهذا يمنح عالم اللعبة ملمحا إضافيا من الثراء لأن الرعب لا ينبع فقط من الأفكار الوجودية الكبرى بل أيضا من القواعد الخفية التي تحكم الكائنات والطقوس والظواهر الخارقة داخل هذا العالم. فالمثال الذي يظهر فيه Alan وهو يتغلب على كائن شبحي عبر خداعه ودفعه إلى رؤية انعكاسه يكشف أن اللعبة لا تتعامل مع السحر بوصفه قوة عشوائية فقط بل بوصفه نظاما تحكمه قواعد وطقوس وشروط محددة. وهذه النقطة بالذات مهمة جدا لأنها توحي بأن العالم في The Occultist لا يقوم على الفوضى المطلقة بل على منطق غامض يجب اكتشافه وفهمه. فوجود قواعد سحرية واضحة يمنح اللاعب شعورا بأن الرعب في هذا العالم ليس بلا شكل أو حدود بل تحكمه بنية يمكن تتبعها حتى وإن كانت مخيفة وغريبة. وهذا يضيف إلى التجربة جانبا استكشافيا قويا لأن التقدم لا يعتمد فقط على الشجاعة أو النجاة بل على فهم الطريقة التي تعمل بها القوى الخفية وكيف يمكن التعامل معها أو التحايل عليها. وعندما يجتمع هذا النظام السحري المنظم مع الوعد الذي يقدمه الرعب الكوني بوجود أهوال كامنة تحت سطح الإدراك فإن النتيجة تبدو شديدة الجاذبية. فالعالم هنا لا يبدو مجرد مكان تسكنه الأشباح أو اللعنات بل فضاء تتجاور فيه القواعد الطقسية القديمة مع حقائق ميتافيزيقية أكبر وأكثر ظلاما. وهذا المزج قد يمنح The Occultist هوية خاصة لأنه يجمع بين الإحساس الشعبي المرتبط بالسحر والموروث وبين الرهبة الفكرية التي يصنعها الرعب الكوني حين يكشف للاعب أن ما يراه ليس إلا جزءا صغيرا من الواقع. كما أن هذا التوجه يفتح الباب أمام أنظمة لعب مميزة إذا نجحت اللعبة في توظيفه بصورة ذكية. فبدلا من أن تكون الأدوات والقدرات مجرد وسائل لحل الألغاز أو تجاوز العقبات يمكن أن تتحول إلى طرق لفهم العالم نفسه وإعادة تفسيره. وقد يصبح كل اكتشاف جديد أو قاعدة سحرية جديدة أو لحظة انكشاف للإدراك جزءا من تطور التجربة لا من تقدم القصة فقط. وهذا هو النوع من التصميم الذي يمكن أن يمنح اللعبة طابعا متفردا لأنه يجعل الرعب مرتبطا باللعب ذاته لا بالمشاهد فقط. وفي النهاية تبدو The Occultist كأنها تسعى إلى بناء عالم تتداخل فيه الماورائيات مع الطقوس والسحر مع الإدراك المحدود للإنسان في صورة واحدة متماسكة. وهذا ما يجعلها أكثر من مجرد لعبة رعب تعتمد على الأجواء المخيفة لأنها تبدو مهتمة أيضا بطرح أسئلة أعمق حول ما الذي يمكن للبشر أن يروه وما الذي يعجزون عن فهمه وما الذي يحدث حين تنفتح أعينهم على حقيقة لم يكونوا مستعدين لها. وإذا تمكنت اللعبة من تحويل هذه الأفكار إلى أنظمة لعب قوية وتجربة متماسكة فقد تقدم واحدة من أكثر تجارب الرعب تميزا وجاذبية في هذا الاتجاه. كاتب لاعب متمرس، أعشق ألعاب القصة، ولا أجد حرجًا في قول أنني أحب ألعاب التصويب من منظور الشخص الأول أيضًا.