استضافت جمعية المهندسين المصرية، برئاسة المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق، رئيس لجنة الطاقة والقوى العاملة بمجلس الشيوخ، ندوة فكرية للدكتور عصام شرف، رئيس مجلس الوزراء الأسبق، تحت عنوان «حوار هندسي هادئ بين الفلسفة والمجتمع»، وذلك بحضور المهندس فاروق الحكيم الأمين العام، والدكتور مصطفى شعبان نائب رئيس الجمعية، إلى جانب نخبة من المهندسين والمتخصصين. أكد المهندس أسامة كمال"رئيس الجمعية" أن الندوة تأتي في إطار اللقاءات الدورية التي تحرص الجمعية على عقدها مع القامات العلمية والهندسية، بهدف إثراء الحوار وتبادل الرؤى حول القضايا الراهنة. وأشار كمال إلى أن الدكتور عصام شرف يمثل حالة فريدة تجمع بين العلم والخبرة المهنية والرؤية الإنسانية، مؤكدًا أنه نجح خلال مرحلة دقيقة في تاريخ الوطن في العبور بالبلاد إلى بر الأمان، والحفاظ على تماسك النسيج الوطني، بما حال دون انزلاق مصر إلى سيناريوهات صعبة شهدتها بعض دول الجوار. وأوضح "رئيس جمعية المهندسين المصرية" أن اختيار عنوان الندوة جاء معبرًا بدقة عن طبيعة المرحلة الحالية، التي تشهد تحديات متسارعة وأوضاعًا دولية معقدة، لافتًا إلى أن العالم يمر بأمواج وعواصف غير مسبوقة منذ عام 1956، مع تكرار المشهد الدولي ولكن بأدوات جديدة ذات طابع عالمي تؤثر على المستويين الإقليمي والمحلي. وأضاف أن هذه التحولات تتطلب قراءة واعية وتحليلًا متزنًا للأحداث، وهو ما يتميز به الدكتور عصام شرف، في ظل ما يشهده العالم من إعادة تشكيل النظام الدولي، واعتماد أدوات الهيمنة على مزيج من القوة الاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية، بما انعكس على تغيير أدوار الدول وتعقيد التحديات التي تواجهها. وشدد كمال على أهمية تبني فكر استراتيجي يقوم على تحقيق التوازن بين المصالح المختلفة، من خلال حوار عادل يدمج بين السعي نحو عالم متناغم ومواجهة النزاعات الأحادية، مع الحفاظ على السيادة الإنسانية لكل طرف، مؤكدًا أن المرحلة الراهنة تفرض الحاجة إلى إصلاحات جذرية في النظام العالمي، وإعادة النظر في أدوار المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة. وربط كمال بين الفكر الهندسي القائم على الدقة والتناغم، وبين بناء مشروع فكري متكامل، موضحًا أن الهندسة لا تقتصر على كونها علمًا تقنيًا، بل تمثل منهجًا للتفكير يعزز الاتساق والتوازن داخل المجتمع. من جانبه أكد الدكتور عصام شرف أن فلسفة محاضرته تنطلق من مبدأ "التناغم والتكامل"،باعتبارها رؤية تقوم على قدرة العناصر المتنوعة تلك التي تبدو متناقضة على الاندماج في كيان واحد أكثر قوة وتأثيرًا، دون إلغاء للاختلاف، بل توظيفه لتعزيز التوازن وصناعة حالة من التجانس الإيجابي. وربط "شرف "بين هذه الفلسفة ومفاهيم الهندسة، مستشهدًا بهندسة الطرق، حيث يؤدي ضعف التماسك بين المكونات إلى التفكك وارتفاع تكلفة الصيانة، في حين يحقق الترابط الجيد الاستدامة والكفاءة. وأسقط "شرف" هذا المفهوم على المجتمع المصري، الذي يتميز بتنوعه الديني والثقافي والجغرافي، مؤكدًا أن الانتقال من التباين إلى التجانس لا يتحقق إلا من خلال مشروع جامع يعيد صياغة هذا التنوع في إطار واحد، وهو ما أطلق عليه "مشروع الوطن الثقافي". وفي سياق متصل، استشهد شرف بكلمة لورد ماكولاي أمام البرلمان البريطاني عام 1835، والتي أشار فيها إلى أن قوة الهند لم تكن في مواردها، بل في منظومتها الأخلاقية، مؤكدًا أن الحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة يمثل خط الدفاع الأول لأي مجتمع في مواجهة التحديات. وأوضح أن "مشروع الوطن الثقافي" يقوم على مسارين متوازيين ،أولهما بناء "داخل قوي" قائم على تناغم الاختلاف في إطار من التعايش، وثانيهما إعمال العقل باعتباره القيمة المضافة الأهم في بناء المجتمعات الحديثة، مضيفاً أن قوة الداخل لا تعني غياب التنوع، بل تعني إدارته بشكل يحقق التماسك دون صراع. تابع : أن المشروع الوطني لا يمكن أن يتحقق دون شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، خاصة في مجالات التعليم والإعلام والفنون، باعتبارها الأدوات الأهم في تشكيل الوعي وترسيخ مفاهيم المواطنة. ونوه "رئيس الوزراء الأسبق "إلى أهمية تعظيم دور العقل والتفكير المنطقي، موضحًا أن القيمة الحقيقية للعقل تكمن في قدرته على استشراف المستقبل، وتحقيق التواصل الحضاري، والارتباط بالقيم الإنسانية، بما يسهم في بناء مجتمع متوازن يجمع بين الهوية الوطنية وروح الابتكار والإبداع. وشدد" شرف " على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الاختلاف، بل في كيفية تحويله إلى طاقة إيجابية تدفع نحو التقدم، مشيراً إلى أن تحقيق التوازن بين الهوية والانفتاح هو السبيل لبناء مجتمع قوي ومستدام. وشهدت الندوة تفاعلاً لافتًا من الحضور، حيث تنوعت المداخلات والنقاشات التي أكدت في مجملها على أهمية موضوع الندوة في ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز تماسك المجتمع.