-مرونة مؤسسية وليست وليدة الصدفة- قدرة حكومية فاعلة على استيعاب التقلبات-نهج متزن في الحفاظ على استقرار الأسواق العالمية-النظام المصرفي قوي ومصمم لتحمل الصدماتكتبت إيما بروكتور المحررة المختصة بتغطية الشرق الأوسط في موقع «فاست كومباني» تقريراً نشر اليوم الخميس جاء فيه أنه من منظور الاقتصاد الكلي، لا تُعدّ الإمارات العربية المتحدة بمنأى عن التقلبات الإقليمية، لكن المحللين يرون أن تعرضها لهذه التقلبات بقي تحت السيطرة، ويمكن إدارته، والأهم من ذلك أنه مُعوَّض بمرونة هيكلية عميقة.لا يخفى على أحد في الشرق الأوسط الاضطرابات الجيوسياسية، لكن الحرب الأخيرة دفعت المنطقة إلى حقبة جديدة من عدم اليقين.بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي تقع على مفترق طرق التجارة العالمية وتدفقات الطاقة والنفوذ الدبلوماسي، قد يبدو أن الضغط حقيقي. ومع ذلك، فإن ما يلفت الانتباه ليس التقلبات بحد ذاتها، بل مدى فعالية قدرة الدولة على استيعابها. ففي 31 مارس، وافقت دبي على حزمة دعم اقتصادي بقيمة مليار درهم إماراتي لتعزيز مرونة قطاع الأعمال في ظل التوترات الإقليمية المستمرة.هذا بلدٌ أمضى عقدين من الزمن في ترسيخ المرونة في أسسه الاقتصادية والمؤسسية. وكما يشير المحللون في قطاعات المخاطر والتأمين والاستثمار، فإن هذا العمل التأسيسي يؤتي ثماره الآن.على الرغم من العمل في ما يصفه الكثيرون بأنه بيئة صاخبة، إلا أن الإمارات العربية المتحدة لا تزال واحدة من أكثر الأسواق استقراراً في المنطقة. الحفاظ على الاستقرار في رسالةٍ وُجّهت إلى مجلس الأعمال الأمريكي الإماراتي في 17 مارس 2026، بمناسبة عيد الفطر، أكّد سفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى الولايات المتحدة، يوسف العتيبة، على صمود الدولة في وجه التوترات الإقليمية الراهنة. وسلّط الضوء على جاهزية دولة الإمارات وقدرتها على الحفاظ على الاستقرار والاستمرارية حتى في ظلّ الضغوط.أكد العتيبة على قوة شراكات دولة الإمارات العربية المتحدة الدولية، لا سيما مع الولايات المتحدة. وجدد التأكيد على أن إطار الاستثمار والاقتصاد الذي أبرمته دولة الإمارات مع الولايات المتحدة، الذي يبلغ 1.4 تريليون دولار، والذي أُعلن عنه في العام الماضي، لا يزال يسير وفق الخطة الموضوعة، مع خطط لتسريع وتيرة التنفيذ والتمويل.وأشار أيضاً إلى أنه تم الإعلان عن أكثر من 45 صفقة بين شركات الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية، ما يعكس استمرار الثقة الثنائية.تقول لارا تاندي، المديرة المساعدة ورئيسة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في شركة الاستشارات العالمية في مجال الاستخبارات المؤسسية والأمن السيبراني «إس آر إم»، إن الأزمة الحالية قد سلطت الضوء على شيء غالباً ما ينساه العالم: الخليج ليس متفرجاً سلبياً في الاقتصاد العالمي بل هو ركيزة أساسية.وتشير إلى أن الدقة والتوقيت المطلوبين في سلاسل التوريد العالمية يجعلان استقرار المنطقة ذا أهمية بالغة. وتضيف «لقد أبرزت هذه اللحظة مدى اعتماد العالم على قدرة الخليج على ضمان استمرار تدفق الطاقة والخدمات اللوجستية». طبقات من التعقيد لكن الصراع أضاف أيضاً تعقيدات جديدة. فالهجوم على مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، على سبيل المثال، أجبر دول الخليج على إعادة تقييم مواقفها. وتقول تاندي إن التحدي يكمن في الموازنة بين المخاوف الأمنية الآنية والحقائق الجغرافية والتاريخية طويلة الأمد. وتضيف: «أي تغيير في الموقف تجاه إيران يجب أن يُوازن مع عقود من الترابط واحتمالية نشوب توترات محلية قد تستمر لما بعد الأزمة الحالية».باختصار، تتم مراقبة منطقة الخليج عن كثب أكثر من أي وقت مضى، ويُعد النهج المتزن الذي تتبعه الإمارات العربية المتحدة جزءاً مما يحافظ على استقرار الأسواق العالمية.من منظور الاقتصاد الكلي، لا تُعدّ الإمارات بمنأى عن التقلبات الإقليمية. لكن المحللين يرون أن تعرضها لهذه التقلبات مركز، ويمكن إدارته، والأهم من ذلك أنه مُعوَّض بمرونة هيكلية عميقة.يقول دانيال هينسل، الشريك المسؤول عن العملاء في شركة فورموست، إن حساسية الوضع الاقتصادي في الإمارات تكمن في قنوات رئيسية قليلة، هي الطاقة والخدمات اللوجستية والقطاعات التي تعتمد على الثقة، مثل السياحة والطيران والعقارات والتجارة. ولا تزال المحروقات مصدراً رئيسياً للدخل، إلا أن ثروة الدولة السيادية ووضعها المالي القوي يوفران لها ميزة تنافسية قلّما تجدها في اقتصادات أخرى.وأضاف: «إن العامل الحاسم هو الحالة النفسية. فالقطاعات التي تعتمد على التنقل عبر الحدود أو الاستثمار الأجنبي تتفاعل بسرعة مع التغيرات في مستوى الأمن المُتصوَّر. حتى في غياب أي اضطرابات مادية، يمكن للثقة وحدها أن تؤثر على الإنفاق وتدفقات رأس المال. وستكون هذه النظرة القطاعية والحساسية للحالة النفسية جانباً أساسياً من أنشطة اختبارات الضغط والاختبارات العكسية». القطاع المصرفي لا يزال قوياً لكنه يؤكد أن كل هذا لم يؤثر على النظام المالي. فقد أكد التقرير الأخير الصادر عن مصرف الإمارات المركزي أن القطاع المصرفي لا يزال قوياً، ويتمتع بالسيولة الكافية، ويعمل بكفاءة تامة رغم الاضطرابات العالمية والإقليمية. ويُشير اعتماد حزمة دعم مرونة المؤسسات المالية الاستباقية - المصممة لضمان توفر السيولة الكافية لدى البنوك - إلى نظام يستعد مبكراً بدلاً من أن يتفاعل متأخراً.بالنسبة لهينسل، فإن الخلاصة واضحة: النظام المالي لدولة الإمارات مصمم لتحمل الصدمات. السؤال الأهم هو كيف يؤثر عدم اليقين المطول على شهية الاستثمار والنمو على المدى المتوسط، وليس ما إذا كان النظام المصرفي قادراً على مواجهة هذه الصدمات.في أوقات التوترات الجيوسياسية، غالباً ما تشهد أسواق التأمين تضييقاً في الأسعار. لكن في الإمارات، لا تزال التغطية التأمينية متاحة في مجالات التأمين البحري والجوي، والعنف السياسي، والائتمان التجاري، والممتلكات.يقول حسن أشتري، كبير مسؤولي العملاء في شركة غالاغر العالمية للوساطة التأمينية وإدارة المخاطر والاستشارات، إن مفتاح نجاح الشركات يكمن في فهم كيفية تغير ملف المخاطر الخاص بها وما هي إجراءات الحماية المتاحة. ويضيف: «مهمتنا هي مساعدة العملاء على فهم هذا المشهد حتى يتمكنوا من مواصلة العمل بوضوح».ويؤكد أشتري أن مرونة دولة الإمارات مؤسسية وليست وليدة الصدفة. فبعد عقدين من التطوير التنظيمي وإدارة المخاطر، صُمم النظام ليكون مرناً في مواجهة الضغوط. ويضيف: «الصدمات تُسجّل، لكنها لا تُزعزع استقرار بيئة الحماية طويلة الأجل».بالنسبة للمستثمرين، لا يقتصر الاختبار على تقلبات السوق فحسب، بل يشمل أيضاً استمرارية العمليات. وفي هذا الصدد، لا تزال الثقة عالية.يقول ماركوس ويل، الرئيس التنفيذي لمنصة إمبونو التشغيلية للأسواق الناشئة (التابعة لشركة جيمكورب كابيتال)، إن كلاً من جيمكورب وإمبونو واصلتا العمل بسلاسة تامة خلال فترة الاضطراب الأخيرة. ويعزو ذلك إلى إطار إدارة المخاطر الصارم والتنسيق الوثيق مع سلطات دولة الإمارات. ويضيف: «لقد أتاحت هذه الشراكة لفرقنا العمل والعيش بأمان في المنطقة».