بعد ان استعرضنا ألعاب عالم مفتوح تصل إلى أقصى درجات الجنون الجزء الأول و الجزء الثاني نستكمل القائمه في الجزء الثالث. Kenshi لعبة عالم مفتوح تقدم عالما عدائيا مجنونا لا يهتم إن كنت ستعيش أو تموت إذا أردنا الحديث عن نوع مختلف تماما من الجنون داخل ألعاب العالم المفتوح فإن Kenshi تفرض نفسها بقوة لأنها لا تقدم الجنون في صورة انفجارات متواصلة أو فوضى مرئية فقط بل تقدمه في شكل عالم قاس وعدائي وبارد لا يمنح اللاعب أي شعور حقيقي بالأمان ولا يعامله على أنه بطل مهم أو شخصية محورية يجب أن تنجو مهما حدث بل يضعه في بيئة شديدة الوحشية وكأنها تقول له منذ البداية إن البقاء هنا ليس حقا مضمونا بل امتياز يجب انتزاعه بالقوة والصبر والتحمل. وتتميز Kenshi بأنها لعبة يصعب وضعها داخل قالب واحد واضح لأنها تمزج بين عناصر ألعاب تقمص الأدوار والساحة المفتوحة وصندوق الرمل والبقاء في تجربة واحدة تمنح اللاعب قدرا هائلا من الحرية لكن هذه الحرية لا تأتي مع كثير من التوجيه أو المساعدة أو الإمساك باليد كما يحدث في ألعاب كثيرة أخرى بل تتركك لتتعلم العالم بنفسك وتكتشف مخاطره وطبقاته وأساليبه القاسية من خلال التجربة والخطأ والسقوط المتكرر أحيانا. وهنا يبدأ نوع الجنون الخاص بهذه اللعبة لأنك كلما تحركت داخل أراضيها القاحلة والمقفرة شعرت أن أي خطوة قد تتحول فجأة إلى كارثة كاملة فقد تسير في هدوء داخل منطقة تبدو فارغة ثم تتعرض لهجوم مباغت من قطاع الطرق أو تقع أسيرا وتباع عبدا أو تجد نفسك محتجزا داخل معسكر لا تملك فيه أي قوة حقيقية ولا خيار أمامك إلا أن تبدأ رحلة بطيئة ومؤلمة للنجاة والهروب واستعادة حريتك خطوة بعد خطوة. وهذا ما يجعل Kenshi مختلفة جدا عن كثير من الألعاب الأخرى لأن الفوضى فيها لا تكون دائما مخططة أو ناتجة عن قرار واع من اللاعب بل تنفجر أحيانا من قلب العالم نفسه بطريقة غير متوقعة تماما فتتحول لحظة عابرة أو رحلة قصيرة إلى قصة كاملة من المعاناة أو الهروب أو الخسارة أو التكيف وهذا يمنح التجربة طابعا حيا للغاية لأنك لا تشعر أنك تسير على خط مرسوم مسبقا بل تشعر أن العالم يكتب قصتك معك لحظة بلحظة من خلال ما يفرضه عليك من مواقف قاسية ومفاجآت غير محسوبة. والأمر المثير في Kenshi أن هذا الجنون ليس مزعجا فقط بل يحمل قدرا كبيرا من الجاذبية لأن اللعبة تضيف إلى رحلة شخصيتك تفاصيل غير متوقعة تمنح قصتها طابعا فريدا من دون أن تحتاج أنت إلى تخطيط كل شيء في ذهنك مسبقا فالعالم نفسه يتولى جزءا كبيرا من صناعة الحكاية ويخلق لك مواقف تبقى عالقة في الذاكرة لأنها لم تكن مكتوبة على الورق بل حدثت بصورة طبيعية نتيجة تفاعلك مع بيئة لا يمكن الوثوق بها أبدا. ولهذا فإن الخروج في أي رحلة داخل Kenshi يحمل دائما شعورا بالتوتر والترقب لأنك لا تعرف على وجه الدقة ما الذي قد ينتظرك بعد التل التالي أو في أطراف المنطقة القادمة وقد يكون ما ينتظرك مجرد طريق هادئ وقد يكون عصابة كاملة أو فصيلا عدائيا أو مصيرا أسوأ بكثير وهذا الغموض المستمر هو أحد أهم عناصر الجنون في اللعبة لأنه يحول كل استكشاف إلى مغامرة غير مضمونة العواقب. ومن هنا تصبح الاستعدادات ورفع الصلابة والتحمل من أهم وسائل البقاء لأن Kenshi لا تكافئ الاستهتار ولا ترحم الضعف فاللاعب الذي يدخل هذا العالم من دون تجهيز أو من دون فهم لطبيعته قد يسقط بسرعة أمام أول خصم عدائي يقابله أما من يتعلم ببطء ويصبر ويقوي شخصيته ويفهم كيف ينسحب ومتى يواجه ومتى يختبئ فإنه يبدأ تدريجيا في انتزاع مكان له داخل هذا العالم المتوحش. Green Hell لعبة بقاء مجنونة يبدأ فيها العالم بمحاولة قتلك منذ اللحظة الأولى إذا كانت Kenshi تجربة قاسية تدفع اللاعب إلى أقصى حدود الاحتمال فإن Green Hell تسلك الطريق نفسه لكن بأسلوب مختلف أشد اختناقا وتوترا لأنها لا تضعك فقط في عالم صعب بل تلقي بك داخل غابة مطيرة تبدو جميلة في ظاهرها لكنها تخفي وراء هذا الجمال كما هائلا من التهديدات التي يمكن أن تنهي حياتك بسرعة كبيرة وتجعلك تدرك منذ البداية أن النجاة هنا ليست مهمة جانبية بل المعركة الأساسية التي تدور حولها كل لحظة تقضيها داخل اللعبة. وتعد Green Hell واحدة من أكثر ألعاب البقاء صعوبة وشراسة لأنها تبدأ من نقطة مربكة ومتوترة حين يجد البطل نفسه منفصلا عن صديقته بعد مهمة انتهت بشكل خاطئ ليتحول كل شيء بعدها إلى صراع مفتوح مع الطبيعة ومع الجسد ومع العقل أيضا فالغابة لا تستقبلك بوصفك مستكشفا أو بطلا بل تتعامل معك كجسم ضعيف دخل إلى مكان لا يرحب بالضعفاء ولا يمنحهم أي فرصة مجانية للاستمرار. ورغم أن الغابة المطيرة مليئة بالموارد التي يمكن استغلالها من أجل البقاء فإن هذا لا يجعلها مكانا آمنا بأي شكل لأن كل جانب فيها يحمل إمكانية حقيقية للموت فهناك ضفادع سامة يمكن أن تقتلك إذا لم تتعامل معها بحذر شديد كما توجد مفترسات تتربص بين الشجيرات وتنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض عليك وهناك أيضا حشرات قد تغزو جسدك إذا لم تحسن تجهيز مكان آمن للنوم وتحمي نفسك من أخطار تبدو صغيرة في الحجم لكنها قادرة على تدميرك ببطء وبقسوة. ولا تقف الأخطار عند الكائنات السامة أو الحيوانات المفترسة فقط لأن السكان المحليين أنفسهم ليسوا ودودين وهذا يضيف طبقة أخرى من الضغط المستمر حيث لا يصبح التهديد محصورا في البيئة الطبيعية وحدها بل يمتد أيضا إلى العنصر البشري الذي قد يحول أي تحرك خاطئ إلى مواجهة خطيرة تزيد من شعورك بأنك محاصر من كل اتجاه. وإذا بدا كل ذلك قابلا للإدارة في البداية فإن Green Hell سرعان ما تكشف عن وجهها الحقيقي من خلال أنظمة البقاء المعقدة التي تجعل الحياة داخلها مرهقة على المستوى الذهني بقدر ما هي مرهقة على المستوى الجسدي فاللاعب لا يكتفي فقط بالبحث عن الطعام أو الماء بل يضطر إلى مراقبة التغذية بعناية شديدة وتتبع السعرات والعناصر المختلفة المطلوبة للجسم لأن الاستمرار لا يعتمد على ملء المعدة فقط بل على الحفاظ على توازن دقيق بين الاحتياجات المتعددة. وهنا تبدأ اللعبة في ممارسة ضغطها النفسي الحقيقي لأن الإهمال البسيط لا يمر من دون ثمن وكل قرار يتعلق بالأكل أو النوم أو الحركة أو التوقف قد يكون له أثر مباشر على فرص بقائك ومع انخفاض الصحة النفسية تبدأ الهلوسات بالظهور فتجعلك ترى تهديدات غير موجودة في الأصل وهو ما يضيف طبقة خطيرة جدا من الاضطراب لأنك لا تعود تقاتل الأخطار الحقيقية فقط بل تقاتل أيضا ما يصنعه عقلك المنهك من أوهام ومخاوف داخل هذا الجحيم الأخضر. ومن أكثر ما يميز Green Hell أن متابعة الحالة الصحية لا تتم بطريقة مبسطة أو مريحة كما في كثير من الألعاب الأخرى فالأمر لا يقتصر على النظر إلى شريط صحة تقليدي ثم متابعة اللعب بل يتطلب فحص أجزاء الجسد نفسها ومراقبة حالة كل جزء وما إذا كان مصابا أو ملوثا أو متضررا وهذا يجعل التعامل مع الإصابات أكثر واقعية وأكثر توترا لأنك تشعر أنك لا تدير رقما على الشاشة بل تدير جسدا كاملا ينهار بالتدريج إذا لم تعتنه بدقة وصبر. وكل هذه الأنظمة مجتمعة تجعل Green Hell تجربة مصممة لدفع اللاعب إلى حدوده النفسية والعقلية داخل عالم افتراضي فهي لا تهاجمك من جهة واحدة فقط بل تضغط عليك من كل الجهات الطبيعة والمرض والجوع والتعب والخوف والهلوسة وانعدام الأمان ولهذا تبدو كل لحظة نجاة فيها إنجازا حقيقيا لا يمنح بسهولة. كاتب لاعب متمرس، أعشق ألعاب القصة، ولا أجد حرجًا في قول أنني أحب ألعاب التصويب من منظور الشخص الأول أيضًا.