تابع قناة عكاظ على الواتساب
الفن بكل تجلياته يجبُّ المشاعر الداكنة ويمنح عقلك فرصة الخروج من المناطق القاتمة، وكانت دعوتي الدائمة الهروب من الواقع الداكن إلى الفن، فمجالاته أكثر رحابه من التأطير والانشغال بالحيز، يمنح أجنحة للتحليق، وهنا يمكننا أن نسأل: ما الذي يفعله الفن بنا؟
حسناً، نحن نعيش في زمن الصورة، كنت حاضراً محاضرةً للفنان الفوتوغرافي عيسى إبراهيم تحت عنوان: السرد في الصورة الفوتوغرافية: ذاكرة عين، حدث ذلك في ملتقى السرد بمدينة الكويت ضمن أنشطة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.. عرض فيها الفنان عيسى العديد من الصور المتنوعة في موضوعاتها ومضامينها، صور لافتة ومدهشة فنيّاً..
وأثناء العرض حدثت تبادلية حوار ما بين البصري والسردي من قبل الحضور، وكان يجاورني الصديق الروائي المبدع طالب الرفاعي، فألقيت سؤالاً مشترطاً إجابته من قبل المصور الفنان عيسى إبراهيم، ومن المبدع طالب الرفاعي، على فرضية وجود صورة لافتة هل يستطيع الروائي أن يكتبها رواية، وهل يستطيع المصور أن يرسم رواية لطالب الرفاعي تحمل التفاصيل السردية المكتوبة؟
هو سؤال يمتد كربل بلاستكيكي، وإن كنت عارفاً بحدوث ذلك إلا أن زحمة الأسئلة، ومحدودية زمن المحاضرة فوّتا علينا سماع الرأيين (الكاتب، والمصور).. وكنت راغباً بذكر قصة الصورة معي أثناء سرد رواية، وتحديداً صورة العجوز مسعدة في رواية الطين.. كانت الشخصية مختزنة في داخلي بفعالها وحكاياتها، وكانت صورتها غائمة في ذهني، وفي إحدى المجلات وجدت صورة لامرأة شمطاء أكل الدهر منها أكلاً شهياً ولم يبق منها إلا ملامح تشي بجمال غرب خلف تجاعيد سعت كطابور نمل تعرج في وجهها وسافر إلى عروق رقبتها بدأب متواصل، صورة تعمق خيال السارد ليقول ما الذي تفعله السنون من تغيرات صادمة، وعلى السارد أن يتعمق في شرح حكايتها..
ظلت صورة هذه المرأة العجوز تنظر إليّ من خلف المكتب الزجاجي، يفيض وجهها بالابتسامات المواربة، من عينين ضيقتين، وفم فاتر الابتسامة، وربطة رأس فضحت شيب رأسها الأبيض كندف القطن الباقي من غير حصد، وعظام الترقوة بارزة كسارية تلقت ضربات فؤوس كثيرة.
وكلما كتبت عن العجوز مسعدة أرى الصورة تضحك من خلف زجاج المكتب مهونة أو مستخفة بما أكتب عن امرأة متخيلة وهي امرأة حاضرة بصورتها.. تذكرت هذا، وأنا أشاهد صور التقطها الفنان عيسى لنساء عديدات في حالات مختلفة، هو صورها واكتفى بذلك، الصور التي شاهدناها، صور لم يكترث المصور بعينها، بمشاعرها الداخلية أو تاريخها الإنساني، أو مصاعبها اليومية، أو ظرفها المعيشي، أو ما الذي يبكيها أو يضحكها.. نعم كانت الصور التي عرضها صوراً جمة، والذي يشاهد تلك الصور وهو الذي يخلق الحكاية، يحس بما تكابده الشخصية من خلال الصورة، فمن هو صانع سردية الصورة أم المشاهد؟
وكنت راغباً التعريج على رواية (دوخي.. تقاسيم الصبا) لطالب الرفاعي التي جاء غلافها متصدراً صورة الفنان عوض دوخي الفنان الكويتي الكبير، فهل كانت الصورة هي السرد أم ما كتبه طالب عن صاحب الصورة هو السرد وتقاسيم الحياة على كاتب السرد وليس الصورة؟
مؤمن أن كل شيء حولنا وبيننا وفينا هو حالة سردية ممتدة، فمن الصانع لتلك الحالة، هل هي الصورة، أم ما نقوله من كلمات أم ما نتخيله لما نرى.. إن مغارة السرد أشبه بالثقب الأسود يبتلع كل حكاياتنا ولا يظهر العمق المختبئ فينا حين يتم التهامه على عجل أو على أعمارنا الذاهبة في الزمن.. السرد حالة تبادلية بين الموت والحياة.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
