تابع قناة عكاظ على الواتساب
ليست المشكلة في السلوك وحده، بل في اللغة التي تسبقه. في السياسة كما في الفضاء الرقمي، لا تبدأ السيطرة بالفعل، بل بالاسم الذي يسبقه. التسمية ليست توصيفاً محايداً، بل إطار إدراكي يسبق الحكم، ويعيد تشكيله، ويوجّه المتلقي قبل أن تتكوّن لديه فرصة التفكير. الاسم هنا لا يصف الواقع، بل يعيد صياغته.
حين يُحسن الفاعل اختيار الاسم، فإنه لا يقدّم نفسه فقط، بل يحدّد مسبقاً كيف يجب أن يُفهم، وكيف يجب أن يُعارض، بل وكيف يجب أن يُصنّف من يخالفه. هنا لا تعود اللغة وسيلة نقل، بل تتحول إلى أداة سلطة ناعمة تعمل بهدوء، لكنها تُعيد تشكيل الوعي بعمق.
لفهم هذه الفكرة، يكفي تأمل نماذج معاصرة بُنيت على «تسمية مغلقة دلالياً». في بعض الحالات، لا يكون الاسم مجرد تعريف، بل حاجزاً نفسياً أمام النقد. حين يُختار اسم مثل حزب الله، فإن المعارض لا يواجه تنظيماً سياسياً فقط، بل يُدفع ضمنياً إلى موقع يبدو وكأنه اعتراض على معنى ديني أعلى. هنا تتعقد المعادلة: كيف تفصل بين الاسم ومحموله؟ وكيف تعارض دون أن تُعاد صياغتك أخلاقياً قبل أن تُسمع حجتك؟
هذه ليست مصادفة، بل هندسة واعية. اختيار الاسم في هذه الحالة لا يُبنى على الدقة، بل على الأثر. ليس الهدف أن يصف، بل إن يحصّن، وأن يعيد تشكيل ساحة النقاش قبل أن تبدأ. الاسم يصبح إطاراً مغلقاً، وكل من يدخل فيه يخضع لقواعده، وكل من يخرج عنه يُعاد تعريفه من خلاله.
هذا النموذج لا يقتصر على التنظيمات المؤدلجة، بل يمتد بصيغٍ مختلفة إلى الفضاء الرقمي. ما يحدث على منصة «إكس» يعكس نسخة مصغّرة من هذه الآلية، لكن بانتشار أوسع وتأثير أسرع. بعض المجتمعات الرقمية هناك لا تتشكل حول فكرة قابلة للنقاش، بل حول مسميات عالية الشحنة، تُستخدم بوصفها أدوات فرز أكثر من كونها أدوات تعريف.
مسميات مثل «الصحبة الصالحة» و«الفرقة الناجية» لا تعمل بوصفها توصيفاً محايداً، بل بوصفها أطر تحصين. الاسم هنا لا يكتفي بتحديد هوية المجموعة، بل يمنحها موقعاً أخلاقياً مسبقاً، ويجعل أي نقد لها يبدو بشكل ضمني وكأنه اعتراض على الصلاح أو النجاة.
وهنا تحديداً تتكشف آلية الاستغلال بشكل أوضح. مصطلح «الفرقة الناجية» الوارد في الحديث الشريف، وهو مفهوم ديني واسع لا يُختزل في جماعة بعينها، تم انتزاعه من سياقه الأصلي، وإعادة توظيفه داخل الفضاء الرقمي. لم يعد مفهوماً مفتوحاً، بل تحوّل إلى اسم مُحتكر.
بعض الأفراد على منصة «إكس» لم يكتفوا باستخدام المصطلح، بل بنوا حوله مجتمعاً رقمياً، يقدّم نفسه بوصفه «الفرقة الناجية» ذاتها. ليس على سبيل الوصف، بل على سبيل الادعاء الضمني. وبهذه الخطوة، يتم نقل المصطلح من دائرة الاعتقاد الديني العام إلى دائرة الهوية المغلقة.
وبهذا التحوير، لا يعود الاسم مجرد مرجعية دينية، بل يصبح أداة تصنيف:
من داخل هذا المجتمع يُفهم أنه ضمن «النجاة»، ومن خارجه يُوضع تلقائياً في موقع مقابل، حتى لو لم يُصرّح بذلك. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن المعنى لم يعد يُناقش، بل يُفترض مسبقاً.
وبهذا، يتم نقل النقاش من ساحة الفكرة إلى ساحة القيمة، ومن مجال الحجة إلى مجال التصنيف. في هذه البيئة، لا يُسأل ماذا تقول، بل يُسأل من أنت. هل تنتمي داخل هذا الإطار أم خارجه؟ وبمجرد الإجابة، يُحسم الموقف قبل أن يبدأ النقاش. هذه هي النقطة المفصلية: حين تتحول التسمية إلى مرشح إدراكي يسبق الفهم.
بهذه الآلية، لا يحتاج الخطاب إلى قوة برهان؛ لأنه سبق أن أعاد تعريف ساحة النقاش. أي اختلاف يتحول إلى إدانة، وأي خروج عن الإطار يُقرأ كخروج عن القيمة نفسها. وهنا، لا يعود الهدف إقناع الآخر، بل تصنيفه.
ومع تكرار هذا النمط، تتشكل بنية كاملة من الإقصاء غير المعلن. لا توجد جهة تعلن المنع، ولا قواعد مكتوبة تُفرض، لكن السلوك يتجه في مسار واحد: من لا ينتمي يُدفع خارج الدائرة، ومن لا يكرر اللغة يُحاصر ضمنياً. التفاعل لا يكون عفوياً، بل يُعاد إنتاجه عبر أنماط لغوية متشابهة وعبارات مكررة واستجابات متزامنة، تعطي الانطباع بوجود رأي عام، بينما هو في الحقيقة بنية مُدارة.
وهنا تتحول اللغة إلى أداة ضبط جماعي. ليست مجرد وسيلة تعبير، بل آلية توجيه تُعيد تشكيل الانطباع وتحدد ما يُقبل وما يُرفض دون إعلان.
المفارقة أن هذه الأدوات تبدو أخلاقية في ظاهرها، لكنها في جوهرها نقيض الأخلاق. لأنها لا تفتح باب الاختلاف، بل تغلقه، ولا توسّع المفاهيم، بل تختزلها في إطار ضيق. مفاهيم كبرى مثل الصلاح والحق والنجاة تُفرّغ من عمقها، وتُعاد صياغتها كوسيلة اصطفاف داخل مجتمع رقمي مغلق.
في السياق الوطني، تصبح هذه الظاهرة أكثر حساسية. حين تُستخدم هذه المسميات لمهاجمة المغرد الوطني، فإننا لا نكون أمام اختلاف في الرأي، بل أمام محاولة لإعادة تعريف معيار القبول ذاته. يتم وضع الفرد داخل قالب أخلاقي مُسبق، ثم يُحاكم من خلاله لا من خلال ما يطرحه من أفكار.
المغرد الوطني الحر بطبيعته يكسر هذا الإطار. لا ينتمي إلى مجتمع مغلق، ولا يتحرك وفق نمط مكرر، ولا يعيد إنتاج اللغة نفسها. ولهذا يُنظر إليه كعنصر خارج السيطرة، لا لأنه يطرح فكرة مختلفة، بل لأنه يرفض الدخول في قالب جاهز. وهنا، لا تتم مواجهته بالحجة، بل بإدخاله قسراً في إطار أخلاقي منخفض، ثم مهاجمته من داخله.
هذه الآلية، التي يمكن وصفها بالرجم الأخلاقي الرقمي، لا تقوم على تقديم حجة، بل على صناعة انطباع. يتم فيها تكرار الوصم وتضخيمه ودفعه عبر التفاعل الجماعي حتى يتحول إلى صورة ذهنية يصعب فصلها عن صاحبها. ومع الوقت، لا يعود السؤال هل هذا صحيح، بل لماذا يتكرر هذا الوصف.
لكن ما تغيّر اليوم داخل «إكس» هو المتلقي نفسه. الوعي الرقمي لم يعد سطحياً ولا سريع الانقياد. المستخدم بات قادراً على رصد الأنماط وقراءة التكرار واكتشاف الخطاب حين يُدار خلف واجهة أخلاقية. لم تعد كثافة التفاعل دليلاً على الصحة، ولم تعد النبرة الوعظية تمنح مصداقية تلقائية.
كلما تكررت الأدوات، انكشف أنها ليست قناعات بل أدوار. وكلما تشابهت اللغة، ظهر أنها ليست تعبيراً فردياً، بل خطاب يُعاد إنتاجه.
الخلاصة أن المعركة لم تعد على من يقول الحقيقة، بل على من يملك تعريفها. ومن يملك الاسم، يملك جزءاً كبيراً من المعنى، ومن يملك المعنى يملك القدرة على التأثير. وحين تتحول الأسماء إلى أدوات تحصين، فإن أخطر ما نخسره ليس النقاش، بل القدرة على فهمه.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
