نشرت وزارة الأوقاف منشورًا جديدًا عبر منصاتها الرقمية وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان: “ما حكم الانتحار في الإسلام؟ وهل المنتحر كافر؟ وهل يُغفر الله له وما مصيره في الآخرة؟”، وتناولت خلاله واحدة من أكثر القضايا حساسية، والتي تتردد حولها تساؤلات مؤلمة في أذهان كثير من الناس، خاصة عند فقدان عزيز أو المرور بأزمات نفسية شديدة. واستعرضت الوزارة في منشورها أبرز التساؤلات التي تشغل الرأي العام، مؤكدة أهمية تناولها بوعي شرعي وإنساني، بعيدًا عن التهوين أو القسوة في الحكم، مع مراعاة البعد النفسي لمن يمرون بمثل هذه الظروف. – ما حكم الانتحار؟ أكدت وزارة الأوقاف، أن الانتحار محرّم شرعًا تحريمًا قاطعًا، ويُعد من كبائر الذنوب، لكنه لا يُخرج صاحبه من ملة الإسلام، موضحة أن المنتحر عند جمهور العلماء يُعد مسلمًا عاصيًا، ارتكب ذنبًا عظيمًا، وأمره في النهاية إلى الله تعالى. واستدلت الوزارة بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِیمࣰا﴾، مشيرة إلى أن هذه الآية تمثل أصلًا شرعيًا واضحًا في تحريم الاعتداء على النفس، وتؤكد أن حفظ النفس من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية. كما أوضحت أن النهي الوارد في الآية لا يقتصر على القتل المباشر، بل يشمل كل ما يعرض النفس للهلاك، وهو ما بيّنه العلماء في تفاسيرهم، ومنهم الإمام ابن عطية، الذي أكد أن النص يشمل تعمد قتل النفس أو تعريضها لخطر يؤدي إلى الموت. – تحذير شديد في السنة النبوية وأشارت الوزارة إلى أن السنة النبوية جاءت مؤكدة لهذا التحريم، حيث وردت أحاديث عديدة تُبيّن خطورة هذا الفعل، وتتوعد فاعله بعقوبات شديدة، في سياق يهدف إلى الزجر والتحذير من الإقدام عليه. وأوضحت أن هذه النصوص لا تعني الحكم بالكفر على المنتحر، بل تُظهر عِظم الذنب وخطورته، وتدعو إلى الحفاظ على النفس وعدم الاستسلام لليأس أو الضغوط. – هل المنتحر كافر؟ وأجابت الوزارة بوضوح: لا، المنتحر ليس كافرًا، بل هو مؤمن ارتكب كبيرة من الكبائر، مؤكدة أن هذا هو رأي جمهور علماء الأمة. وأضافت أن النصوص التي ورد فيها ذكر “الخلود” في النار، قد فسرها العلماء على وجهين: إما أنها خاصة بمن استحلّ هذا الفعل واعتقد جوازه، أو أن المقصود بها طول المكث في النار وليس الخلود الأبدي، لأن من مات على التوحيد لا يخلد في النار. – هل يُغفر للمنتحر؟ وأكدت وزارة الأوقاف أن المنتحر داخل تحت مشيئة الله تعالى، فقد يغفر له وقد يعذبه، مستندة إلى القاعدة القرآنية العامة: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَغۡفِرُ أَن یُشۡرَكَ بِهِۦ وَیَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن یَشَاۤءُ﴾، موضحة أن الانتحار -رغم كونه من الكبائر- لا يخرج عن كونه ذنبًا دون الشرك. كما أشارت إلى حديث الطفيل بن عمرو، الذي يدل على إمكانية مغفرة الله لمن وقع في هذا الفعل، وهو ما يؤكد أن باب الرحمة الإلهية لا يُغلق، وأن الدعاء للمتوفى مشروع ومطلوب. – هل يُصلى على المنتحر؟ وأوضحت الوزارة أن المنتحر يُعامل معاملة سائر المسلمين بعد وفاته، فيُغسل ويُكفَّن ويُصلى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين، مؤكدة أن هذا هو قول جمهور الفقهاء. وأشارت إلى أن امتناع النبي عن الصلاة على أحد المنتحرين كان على سبيل الزجر، وليس تحريمًا للصلاة عليه، حيث صلى عليه الصحابة، وهو ما بيّنه العلماء، ومنهم الإمام النووي، الذي أكد أن الصلاة على المنتحر جائزة. – البعد النفسي والإنساني وفي جانب مهم، شددت وزارة الأوقاف على أن كثيرًا من حالات الانتحار ترتبط باضطرابات نفسية شديدة، مثل الاكتئاب الحاد، والتي قد تؤثر على قدرة الإنسان في اتخاذ القرار. وأوضحت أن الشريعة الإسلامية تراعي هذه الحالات، حيث يسقط التكليف عمن يفقد أهليته أو إدراكه، مستشهدة بحديث: «رُفع القلم عن ثلاثة…»، مؤكدة أن من ثبت فقدانه للإدراك بسبب مرض نفسي قهري، يُرجى له العذر والرحمة. – دعوة للوعي والدعم ودعت الوزارة المواطنين بأهمية التعامل مع تلك القضية بوعي ورحمة، داعية إلى دعم من يمرون بأزمات نفسية، وتشجيعهم على طلب المساعدة، وعدم تركهم فريسة لليأس أو العزلة. كما أضافت أن الجمع بين الوعي الديني والدعم النفسي يمثل السبيل الأمثل للوقاية من هذه الظاهرة، والحفاظ على النفس التي كرّمها الله وجعل حفظها من أعظم مقاصد الشريعة.