مواهب سعيد *في عالم يتسم بتسارع التحولات الاقتصادية وتراجع القدرة على التنبؤ، لم يعد السؤال كيف تنمو الشركات، بل كيف تستمر وتبني ثقة طويلة الأمد في بيئة تتغير باستمرار.من هذا المنطلق، أرى أن ما تشهده إمارة الشارقة اليوم يمثل نموذجاً متقدماً في إعادة تعريف ريادة الأعمال، ليس فقط كمجال للنمو، بل كأداة استراتيجية لإدارة التغيير وبناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة.لقد أصبحت ريادة الأعمال في الشارقة جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة، مدعومة بمؤسسات ومبادرات تواكب مختلف مراحل نمو الشركات، بدءاً من تطوير الأفكار ووصولاً إلى التوسع في الأسواق. هذا التكامل لا يختصر الطريق أمام رواد الأعمال فحسب، بل يعزز قدرتهم على اتخاذ قرارات أكثر وضوحاً في بيئة معقدة.وتبرز في هذا الإطار مؤسسات مثل مركز الشارقة لريادة الأعمال «شراع»، الذي يؤدي دوراً محورياً في دعم الشركات الناشئة عبر برامج الاحتضان والتسريع وربط رواد الأعمال بالمستثمرين، إلى جانب مؤسسة الشارقة لدعم المشاريع الريادية «رواد» التي تسهم في تمكين رواد الأعمال المواطنين من خلال الدعم المالي والاستشاري وتسهيل الوصول إلى الفرص. كما تعمل هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير «شروق» على تطوير مشاريع نوعية تعزز جاذبية الإمارة للاستثمارات وتدعم نمو الشركات في بيئة متكاملة.ومن خلال تجربتي، أرى أن التحدي الأكبر الذي تواجهه الشركات اليوم لا يتعلق فقط بالمنتج أو الخدمة، بل بقدرتها على صياغة موقعها في السوق بوضوح، وبناء سردية تعكس هويتها وقيمها ، فالاتصال لم يعد أداة تسويقية تقليدية، بل أصبح عنصراً جوهرياً في اتخاذ القرار، وإدارة السمعة، وتعزيز الثقة.وفي بيئة مثل الشارقة، التي تجمع بين دعم الابتكار والحفاظ على الهوية الثقافية، تبرز فرصة حقيقية لبناء نماذج أعمال مختلفة ، نماذج لا تعتمد على استنساخ التجارب، بل تنطلق من فهم عميق للسوق المحلي وتطلعاته.كما أؤمن أن الاستثمار في المحتوى العربي الأصيل أصبح ضرورة استراتيجية، وليس خياراً ثقافياً. ففي سوق عالمي مزدحم، لا يمكن تحقيق التميز دون امتلاك هوية واضحة قادرة على التعبير عن نفسها بلغتها وسياقها.إن ما يميز الشارقة اليوم هو قدرتها على خلق توازن بين الاستقرار والمرونة، وبين البنية المؤسسية الداعمة وروح المبادرة الفردية. وهذا التوازن يمنح رواد الأعمال القدرة على التحرك بثقة، حتى في أكثر الأوقات تحدياً.وفي ظل استمرار التحولات العالمية، أعتقد أن مستقبل ريادة الأعمال في المنطقة سيتشكل حول هذا النوع من البيئات التي لا تكتفي بدعم المشاريع، بل تسهم في إعادة تعريف دورها في الاقتصاد.في النهاية، لم تعد ريادة الأعمال مجرد خيار مهني، بل أصبحت أداة أساسية لصناعة المستقبل. والشارقة، اليوم، تقدم نموذجاً واضحاً لما يمكن أن تكون عليه هذه الرحلة عندما تتكامل الرؤية مع التنفيذ.* رائدة أعمال والشريكة المؤسسة والمديرة العامة لشركة «يازميديا»