دخل عالم النشر اليوم نفقاً ضيقاً من التساؤلات، حيث يتردد صدى نبوءات جورج أورويل في روايته «1984» بصورة غريبة ومقلقة؛ إذ لم تعد «آلات كتابة الروايات» كما ذكرها، وهي «الذكاء الاصطناعي» اليوم، مجرد خيال علمي، بل باتت واقعاً يغرق منصات البيع بآلاف الكتب التي صيغت أو صُقلت بالكامل بواسطة برامج للذكاء الاصطناعي؛ وتحولت إلى واقع ملموس يغرق منصات البيع مثل «أمازون» بآلاف الكتب التي صيغت أو هُذبت بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي.
كما لم يعد الصراع اليوم مجرد سطو على المعلومات، بل امتد ليطال «الهوية الإبداعية» ذاتها.
ففي عام 2025، خضعت شركة «أنثروبيك»، المطورة لبرنامج «كلود»، لمطالب آلاف المؤلفين، ووافقت على دفع تسوية مالية ضخمة بلغت 1.5 مليار دولار تعويضاً عن انتهاك حقوق ملكيتهم.
وتعبر المؤرخة السياسية لورا بيرز، وهي إحدى المشمولات بهذه التسوية، عن مخاوفها من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في تعلم الآلة للحقائق التاريخية فحسب، بل في قدرتها الفائقة على تحليل «الصوت الكتابي» للكاتب وتقليد نبرته الخاصة.
هذا التهديد دفع مبدعين آخرين، مثل الصحفية جوليا أنجوين، في مارس 2026، لمقاضاة شركة «جرامرلي» بتهمة استغلال بصماتهم الأدبية لبناء أدوات تحاكي أصوات الكتاب، سواء من رحلوا منهم أو من لا يزالون على قيد الحياة.
وفي محاولة لاختبار قدرة الذكاء الاصطناعي على التقليد، طُلب من برنامج «كلود» كتابة مقال بأسلوب جورج أورويل يتناول فيه تهديد الذكاء الاصطناعي للهوية البشرية. جاءت النتيجة مثيرة للتأمل؛ فقد أظهر البرنامج مهارة في المحاكاة مستخدماً استعارات أورويل الشهيرة، مثل «الضفدع الذي يُغلى ببطء»، لكنه سقط في فخ «التكرار الإحصائي». ووصفت لورا بيرز هذا الناتج بأنه يفتقر إلى «العقل البشري»، ولا يقدم أكثر من «متوسط حسابي» لما كتبه البشر سابقاً، دون أن يحمل أي بصمة إبداعية حقيقية.
يعيدنا هذا المشهد إلى رؤية أورويل السوداوية، حيث تصبح الروايات والكتب مجرد مواد رخيصة تُنتجها "الآلات"، «الذكاء الاصطناعي»، لتسلية الجماهير دون عناء.
اليوم، تعيد برامج مثل «سودورايت» و«سكويبلر» تمثيل هذا المشهد ذاته، مقدمةً وعوداً بإنتاج روايات كاملة في ثوانٍ معدودة، أو «تنقية» الأسلوب الأدبي آلياً، ليمحى بذلك الفارق بين الإبداع الفني والإنتاج الصناعي.
هذا التحول ينزع عن الأدب شخصيته كعملية فنية فردية، ليحوله إلى «سلعة استهلاكية»، تماماً كما وصفتها شخصية «جوليا» في رواية 1984. وتؤكد الدراسات الحديثة أن القراء بدأوا يجدون صعوبة في التمييز بين النص الأصلي والآلي، خاصة في الأعمال التي تعتمد على قوالب مكررة، مثل أجزاء الأفلام التجارية أو الروايات الشعبية البسيطة.
رغم هذا الطوفان الرقمي والقدرة الهائلة للذكاء الاصطناعي على حشد الكلمات وتوليف المحتوى، يظل السؤال الجوهري يتردد في أروقة الفكر: هل يملك الذكاء الاصطناعي حقاً مفاتيح الوجدان؟ وهل تستطيع أسلاكه الباردة أن تنسج فناً يلامس شغاف القلب؟
يرى خبراء وكتاب أن الذكاء الاصطناعي يبرع في صياغة سيناريوهات تجارية مكررة، مثل «فاست أند فيوريس 25»، حيث تسود القوالب الجاهزة، لكنه سيظل عاجزاً عن محاكاة تلك التجربة الإنسانية العميقة والحساسية الفردية التي جعلت أعمال أورويل وأمثاله عصية على النسيان وعابرة للأزمان.
إن المستقبل قد يغرق في «المتوسط الإحصائي» للذكاء الاصطناعي، إلا أن الفن الحقيقي سيظل دائماً رهيناً بنبض العقل البشري؛ تلك الروح الفريدة والنفحة الغامضة التي لا يمكن لأي خوارزمية، مهما بلغت دقتها، أن تدرك كنهها أو تبرمج أسرارها.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
