كتبت : منة الله حمدى الجمعة، 17 أبريل 2026 11:00 م رحلة تيه استمرت ثلاثين عاماً، حملت فيها مريم أبو دقه وطنها في "قنينة رمليه" وصورة باهتة لوجه أمها. لم تكن رحلتها مجرد انتقال جغرافي بين عواصم الشتات، بل كانت صراعاً وجودياً. بدأت الحكاية بقرار إبعاد قسري اتخذه الاحتلال الصهيونى بعد 24 ساعة فقط من تحررها من "السجن". البداية وقتل البراءة نعود للخلف عدة سنوات حين كانت مريم أبو دقة قد تجاوزت ربيعها السادس عشر لتجد نفسها أمام قضاة المحكمة العسكرية الإسرائيلية في عام 1968. لتحاكم بتهمة "الخطر على أمن الدولة". ورغم صغر سنها لم يشفع لها ذلك أمام غطرسة الاحتلال الصهيونى؛ فصدر بحقها حكم بالسجن لمدة سنتين وغرامة مالية باهظة بلغت 2000 ليرة في وقتها، وذلك بعد فترة تنكيل دامت 6 أشهر تحت "وقف التنفيذ" والمطاردة المستمرة. ٢٤ ساعة للمغادرة قضت مريم حبسها بمرارة الاسير فنانات أقصى انواع التعذيب والتنكيل، حتى انتهى كابوس السجن، وظنت أن خروجها هو النهاية، لكن المفاجأة التي أعدها الاحتلال كانت أشد قسوة من الزنزانة. حيث صنفها "خطراً أمنياً"، وصدر قرار إبعادها القسري. فمنحت الفتاة ابنة الثانية عشر عاما 24 ساعة فقط لتودع شوارع وأزقة لبلدها ووجوه أحبتها وأهلها، متجهة نحو الحدود الأردنية بلا هوية، ولا جواز سفر، ولا تملك من حطام الدنيا سوى أوراق المحكمة التي تدين من لا يملكون رحمة ولاقلب" الاحتلال الصهيونى". ١١ يوماً على الحدود لا عودة ولا عبور وقفت مريم وحيدة في المنطقة المحرمة بين فكي كماشة؛ الاحتلال يمنع عودتها إلى تراب وطنها، والأمن الأردني يرفض عبورها بلا وثائق رسمية. 11 يوماً بلياليها قضتها مريم على الحدود الأردنية الفلسطينية، في انتظار معجزة تنهي آلامها. الاختطاف للحرية المزعومة في ذلك الوقت قرر رفاقها في الجبهة الشعبية الفلسطينية اختطافها من فوق جسر الإردن وإدخالها إلى الأراضي الأردنية بعيداً عن أعين الرقابة، لتبدأ من هناك رحلة نضالية جديدة استمرت ثلاثين عاماً، بدأت من خيمة للتدريب في الاردن مرورا بالدراسة في بلغاريا والعيش في سوريا . بعد ٣٠ عاما من الغربة في أزقة دمشق، وبين ذكريات الدراسة في بلغاريا، عاشت مريم "اللجوء القسري" الذي وصفته قائلة" حمل لا تطيقه الجبال، كنت أضغط على جفونى لأهرب من كابوس الغربة، محلقة بخيالى في شوارع حارتي القديمة ومدرستي في غزة الحبيبة". مضيفة في "ليلة غراء" جائنى يقينى بالبشرة عبر مكالمة هاتفية غير متوقعة من ابن عمها؛ يؤكد لى فيها "تعالي يا ابنة عمي سأصطحبك إلى فلسطين". كلمات بمثابة موسيقى العودة التي حيت صلد المنفى، ورغم رفض الاحتلال لاسمي وضمه لقوائم المبعدين لانى معروفة لدى المخابرات الاسرائيلية كفدائية واسيرة سابقة، إلا أن "معجزة" تصريح الزيارة كانت الثغرة التي نفذت منها شمس الأمل، وتمكنت من عبور المعابر بجواز سفر أردني مؤقت وتصريح زيارة. حين عاد النور روت مريم لحظة العبور قائلة: "كنت كشجرة عارية وحيدة بين الأدغال، لكن الإرادة كانت أقوى، بختم صغير على جواز سفر مؤقت انهار جدار المنفى، وتعالت أصوات التهاني مبروك ادخلي بلدك ووطنك الكبير، دخلت غزة في ساعة متأخرة، والقرية تغط في ظلام دامس. لم تكن الشوارع كما تركتها، فقد غادرتها ابنة التاسعة عشر وعدت إليها دكتورة في الفلسفة ومناضلة تزداد صلابة. بمجرد وصولى، شعرت بنور السماء يضئ الظلام؛ أنوار البيوت أضيئت، وخرجت الأهالى وأحبتى ليلتقونى كطفلة هوت من أعلى طابق لثبتو قدمى بأمان على أرض وطنى. أما هنا في حوش بيتى، وجدتها تجلس قعيدة وحيدة على كرسيها، رميت نفسى في حضنها لأمسح عذابات السنين وغربتها في تلك اللحظة كانت لآلئ مقلتى أمى الحبيبة تضئ وجهها بنور غاب لثلاثة عقود.