فن / اليوم السابع

شيماء منصور تكتب: «يمين فى أول شمال» أحيانا لا نحتاج طريقا.. بل كلمة

بين جدران منزل متهالك، تتزاحم فيه تفاصيل مرتبكة في كل زاوية، جدرانه متصدعة، إلا حائط وحيد، يسكنه أرواح العمالقة، عمالقة الفن ليسوا بشحمهم ولحمهم بل بصور معلقة، وفي قلب تلك الصور صورة زفاف لرجل وامرأة، يظهر على ملامحهم الحب، كل تلك التفاصيل الصغيرة أسرتني وأنا داخل قاعة يوسف إدريس بمسرح السلام، لأشاهد عرض "يمين في أول شمال".

فقد لفت نظري قبل الذهاب للعرض اسمه، بدأت أتخيل ما الذي يمكن أن يتناوله عرض بهذا الاسم، فطالما ما تحمل جملة "يمين في أول شمال" دلالة مألوفة في ذاكرتنا اليومية، فلعلنا نستخدمها لنرشد شخصا تائها يبحث عن طريق وسط طرق متشابكة، وبعد أن غصت في حكاية العرض أدركت تماماً أن خلف هذه البساطة الظاهرة في الجملة معنى أعمق يتجاوز الإرشاد المكاني إلى حالة إنسانية تملؤها الحيرة والارتباك لأبطال العرض الثلاث.

دعونا نحكي حكاية هؤلاء الثلاثة الذين نجحوا في جعلنا نلامس مشاعرهم وكأنها تخصنا، ضحكنا معهم وبكينا لهم غنينا وصفقنا، ولولا قيود المسرح لكنا رقصنا معهم، فتلك اللحظات الخالصة التي قدموها جعلت الحاجز بيننا وبينهم يتلاشى، حتى أننا اعتبرناهم امتدادا حيا لنا.

تبدأ الحكاية بدخول عبد القادر إلى منزله مرتبكا بصحبة غريب، يحاول أن يلملم شتات المنزل، ويخبئ كركبته، وكأنه يحاول أن يجعل واقعه أمام الغريب أجمل، هذا الغريب هو ممثل مغمور على حد قوله، سمعه عبد القادر وهو يتحدث في هاتفه وعرف من خلال المكالمة أنه ممثل، فتشبث به وكأنه يتشبث بأمل عابر، ولم يعنِه إذا كان مشهورا أم مغمورا فكل همه أن يفاجئ زوجته نورا التي تعشق كل الفنانين وتحفظ وجوههم وأصواتهم عن ظهر قلب، فمن باب الشفقة وافق الغريب أن يذهب مع عبد القادر بعد معرفته أنه زوجته ستجري عملية دقيقة في القلب صباح اليوم التالي.

يظن عبد القادر أن اصطحابه لفنان إلى المنزل سيجعل زوجته في غاية السعادة، يظل عبد القادر ينادي على زوجته نورا لكنها لم تُجِب، وبعد بحثه في كل أركان الشقة، يجدها غارقة في نومها، وهنا يحاول الغريب أن ينصرف فقد كان لديه موعد عمل، ولكن يأبى عبد القادر، ويتحجج بأنه قد طلب تورتة عيد ميلاد لزوجته، ولا بد أن يحتفل معهم، حاول الضيف مجددا الاعتزاز ولكن يغلق عبد القادر الباب بالمفتاح.

يؤكد عبد القادر للضيق أن زوجته ستتعرف عليه من اللحظة الأولى، في حين أن الضيف كان على يقين أن ذلك لن يحدث أبداً، فهو فنان مغمور، ليرد عبد القادر عليه مازحاً "لا يوجد دور كبير ودور صغير"، تدخل نورا للمسرح وهي معصبة العينين، لتتوقع المفاجأة، يبدأ الغريب في الحديث حتى تتعرف نورا على صوته وتتوقعه، في البداية تتخبط نورا بين أسماء كبار النجوم، مما يجعله يشعر بالإحباط لكن المفارقة تحدث حين تنطق نورا اسمه أخيرا، "عمرو الشريف" قالتها نورا ونزلت على الغريب وكأنها طوق النجاة، يقف عمرو بين الدهشة والفرح لا يصدق هل هناك من يعرفني، فتؤكد له نورا أنها تعرف كل الفنانين فهي لم تفعل شيئا في حياتها سوى مشاهدة التلفاز.

يحاول عمرو أن ينصرف حتى يلحق موعد تصوير عمله الجديد، بالرغم من تبديل دوره الكبير إلى دور صغير لا يتخطى الجملة، لكنه كان أن يذهب وكأن حضوره حتى ولو كان صغيرا بمثابة معركة له ليثبت ذاته وموهبته؛ سألته نورا عن الجملة التي سيقولها فكانت "يمين في أول شمال" بدأت في المزاح معه إلا أنه سرعان ماشعر بالضيق وكأن مزاح نورا لمس هشاشته، وأكدت نورا ذلك سريعاً، مما جعلها تؤكد له أنه فنان موهوب ويستحق فرصة أكبر، ورغم ذلك يصر عمرو على الانصراف، لكن يظل عبد القادر متمسكاً بحجة إقتراب وصول التورته، وكأنه يحاول تأجيل رحيله حتى لا يجلس مع نورا وحدهم في هذه الليلة الصعبة وهو لم يعرف كيف يواسيها.

هنا تبدأ نورا في استعراض بعض المشاهد والمونولوجات من المسرحيات والأفلام، فيتفاعل معها عمرو على الفور وكأنه يستعيد ذاته من خلال تلك المشاهد وسرعان مايلحق بهم عبد القادر، ليندمج الثلاثة في حالة من الحنين وتحولت تلك المشاهد وكأنها علاج تداوي كلا منهم بطريقته الخاصة.

"أنا مش عارفة قلبي وجعني من كتر الضحك على الأفلام الكوميدي، ولا من العياط على الأفلام الهندي" قالتها نورا التي تفصلها عن عملية دقيقة في القلب ساعات قليلة، لنجد أنفسنا أمام لحظات مؤثرة جمعت نورا وعبد القادر، تعرت فيها علاقتهما لنكتشف جوهر أزمتهم، "رجل يحب لكنه لا يعرف كيف يعبر، بل لا يعرف حتى أن يتحدث، فهو صامت طوال الوقت" وكيف لا يصمت وهو يعمل "نجم شباك" على حد قوله، ولكن شباكه هنا هو شباك تذاكر المترو تلك الوظيفة التي تجبره أن تنحصر كلماته على ي عدة جمل صغيرة، فقد اعتاد الصمت طوال حياته.

كم هو مؤلم أن تعيش مع شخص لا يجيد التعبير، تمنحه عذراً، واحدا تلو الأخر ولكن بلا جدوى، الصمت يخيم على المنزل، كضيف ثقيل يوشك أن ينهي العلاقة، برغم من وجود الحب، حاولت الزوجة مرارا وتكرارا أن تصلح الحال تارة باللين وتارة بالإستفزاز لكن لا تجد سوى الصمت، ولا يعلو في المكان سوى صوت التلفاز، وهنا يتردد لأذهاننا العديد من الأسئلة هل نعذر هذا الرجل بسبب تعوده، أم أن الإعتياد ذاته صار قيداً يعجز عن كسره، هل يمتلك القدرة أساسا على التغير؟

يكسر تلك الحالة من الإنغماس صوت عامل توصيل التورته، ليكسر الشجن داخلنا بمشهد كوميدي خفيف، قدمه العامل ببراعة جعلت اللحظة تعيدنا إلى الواقع، وهنا رسمت الدهشة على وجه عبد القادر، وتردد السؤال في ذهنه كيف وصلت التورته وأنا لم أطلبها، ولم يتوقف كثيراً عند هذا السؤال لكننا نعرف لاحقاً أن عمرو هو من طلبها، بعدما أدرك حالته المادية التي تجعله يصعب عليه طلب تورته، قام عمرو بدفع ثمنها أون لاين حتى لا يفسد المفاجأة على الزوجة، مشهد بسيط ولكنه كفيل أن ينتشلنا من الحزن، وهنا هم عبد القادر بتقديم الشكر لعمرو الذي أكد له أنه هو من يجب أن يقول له شكراً.

"حسيت إن ربنا بعتك ليا عشان يطبطب عليا.. أنا ما جتش هنا شفقة أنا جيت أكيد عشان كنت محتاج حد يطبطب عليا.. يحسسني بقمتي"، وهنا يتضح أن القدر أعاد ترتيب أوراقه وجمع الثلاثة في لحظة احتياج متبادلة، فكل منهم كان يحتاج للآخر، يُخرج عمرو من جيبه خمسة جنيهات، وهي الجائزة الوحيدة الذي حصل عليها في حياته، ويقرر أن يهديهم إياها، وبعد انصرافه يحدث ما انتظرته نورا طويلا، إذ يبدأ عبد القادر أخيراً في الكلام "انتي لازم تعملي العملية بكره" فتجيب بهدوء "خايف عليا؟".

كم نحتاج أحيانا إلى كلمة بسيطة تقال في وقتها لتعيد ترتيب ما بداخلنا، كم نشتاق لأن نجد ما نشاركه تفاصيل يومنا.

لو نظرنا للممثلين سنجد أن إيهاب محفوظ استطاع أن يقدم شخصية عبد القادر بحضور طاغ وخفة ظل واضحة، واستطاع أن يوازن بين الكوميديا والوجع الداخلي ببراعة، فكان أداؤه قريبًا وصادقًا، يصل بسهولة إلى الجمهور دون افتعال، أما أمنية حسن، فجسدت شخصية نورا بخفة وحيوية لافتة؛ حضورها على المسرح رشيق وتحب أن تراها، فلعلها تذكرنا  بنجمات الفوازير، فهي تمتلك قدرة واضحة على التنقل بين المشاعر بسلاسة، من المرح إلى الألم، دون أن تفقد صدقها.

أما طارق راغب، في دور عامل التوصيل، فيمنح الشخصية ثقلًا ملحوظًا رغم مساحتها المحدودة؛ حضوره يوحي بخبرة طويلة على المسرح، يعرف جيدًا كيف يلقي الـ«إفيه» في توقيته، وكيف يوظف حركته ولغة جسده لصالح المشهد، وبرغم ظهوره وهو مجبس، لم يؤثر ذلك على أدائه، بل استطاع أن يمرر خفة الظل ويكسر حالة الشجن ببراعة، مؤكدًا أنه فنان «تقيل» يعرف كيف يترك أثراً حتى في أقصر اللحظات.

وإذا تحدثنا عن عبد الله صابر، الذي جمع بين الإخراج وتقديم شخصية "عمرو الشريف"، فهو استطاع أن يكسر القاعدة الشائعة التي تفترض أن انشغال المخرج بالتمثيل قد يضعف أحد الجانبين، هنا نحن أمام تجربة متوازنة، مخرج واع بتفاصيل لعبته، وممثل يمتلك أدواته بثقة، فعلى مستوى الإخراج، كان واضحًا حرصه على إيقاع العمل وتوظيف لحظاته الإنسانية دون مبالغة، مع مساحة محسوبة لكل شخصية لتتنفس وتعبر عن نفسها.

أما كممثل، فكان حضوره طاغيًا، يعتمد كثيرًا على التعبير الصامت، عيناه تحديدًا كانتا تسبقان كلماته، تنطقان بما يعجز عنه الحوار أحيانًا، وهو ما منح الشخصية عمقًا وصدقًا كبيرين، فهو ممثل يعرف جيدًا كيف يصل إلى جمهوره بأقل قدر من الاستعراض، وأكثر قدر من الإحساس.

دائما ما يقال إن الورق هو الأساس، فقد كان سيناريو المسرحية للكاتب المبدع محمود جمال الحديني، هو العمود الفقري لكل هذا التماسك، حكاية محكمة البناء، تفاصيل دقيقة تخدم الدراما دون ترهل، ورسالة إنسانية واضحة تنساب بسلاسة دون مباشرة، لتصنع عملًا متكاملًا يصل إلى القلب قبل العقل، ولولا وجود مدير مسرح واع بالعمل الفني المبدع من غيره يستطيع أن يصطاد الفنانين الموهوبين من بين الآلاف هو الفنان القدير محسن منصور، لما كان لهذا العرض أن يقدم بهذا الشكل، فشكرا له وشكراً لكل فريق العمل  على هذه التجربة الممتعة.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا