رحلت الفنانة القديرة حياة الفهد عن عالمنا تاركةً خلفها صرخة حنين دوّت في لقائها التلفزيوني الأخير، حيث لم تتمنَّ الراحلة مزيداً من الأضواء أو الألقاب، بل تطلعت في أيامها الأخيرة إلى العودة لنمط الحياة البسيط الذي نشأت عليه في كنف أسرتها. عبرت الفقيدة في ظهورها الأخير قبل تدهور حالتها الصحية عن رغبة عميقة في استعادة تفاصيل "بيت الطين" والعريش و"الجليب"، وهي مفردات تشكل الهوية المعمارية والاجتماعية القديمة لدولة الكويت. استحضرت حياة الفهد في حديثها صورة عائلية دافئة تجمعها بوالدتها الجالسة في العريش ووالدها وهو يؤدي صلاته، مؤكدةً أن الخير الذي شهده جيلها في السابق تتمنى أن يراه الأحفاد في مستقبلهم، مع إلحاحها على دعوة ملازمة لصلاتها بأن يكون أبناؤها وأحفادها من الصالحين المطيعين لله ورسوله. فلسفة الرضا والوداع الأخير لسيدة الشاشة جسدت حياة الفهد في تصريحاتها الأخيرة نموذجاً للرضا التام بقضاء الله وقدره، إذ أكدت بصراحة أنها حققت الكثير في رحلتها الطويلة واكتسبت من الدنيا ما يكفي، مشيرة إلى عدم اعتراضها على مشيئة الخالق سواء بطول العمر أو رحيل الروح. جاءت وفاتها صباح اليوم الثلاثاء عن عمر يناهز 78 عاماً لتضع حداً لمعاناة استمرت أشهراً مع التبعات القاسية لجلطة دماغية أثرت بشكل مباشر على قدراتها الحركية والكلامية. كانت هذه الانتكاسة قد بدأت في سبتمبر من عام 2025، مما استدعى نقلها إلى العاصمة البريطانية لندن لتلقي رعاية طبية مكثفة استمرت أربعة أشهر، قبل أن تعود إلى مسقط رأسها في فبراير 2026 لقضاء أيامها الأخيرة بين أفراد أسرتها، الذين حرصوا على توفير الخصوصية التامة لها بناءً على توصيات الفريق المعالج. نشأة عصامية في قلب الكويت القديمة بدأت حياة أحمد يوسف الفهد رحلتها في منطقة شرق عام 1948، لتمضي طفولتها لاحقاً في منطقة المرقاب بالقرب من مسجد عبد الله المبارك. واجهت الراحلة تحديات كبرى منذ صغرها، حيث نشأت يتيمة الأب وعانت من قسوة التعامل التي ساهمت في بناء شخصيتها القوية والمستقلة. ورغم عدم إتمامها للمرحلة الابتدائية، إلا أنها خاضت معركة معرفية خاصة بتعليم نفسها القراءة والكتابة باللغتين العربية والإنجليزية، مما مكنها لاحقاً من دخول عالم الكتابة الدرامية والشعرية. انطلقت مسيرتها الفنية بمحض الصدفة حين كانت تعمل ممرضة في "مستشفى الصباح"، لتبدأ مواجهة اجتماعية عائلية صعبة مع والدتها التي رفضت احترافها التمثيل، ولم ينفك هذا الحصار إلا بتدخل شقيقها الذي رافقها في خطواتها الأولى نحو التلفزيون عام 1962 عبر مسلسل "عايلة بو جسوم". بصمة تاريخية في الدراما والسينما الخليجية سيطرت حياة الفهد على المشهد الدرامي الخليجي لأكثر من ستة عقود، مقدمةً نماذج إنسانية معقدة في التراجيديا والكوميديا على حد سواء. حصدت خلال مشوارها لقب "سيدة الشاشة الخليجية"، وشكلت ثنائيات فنية خالدة مع سعاد عبد الله وغانم الصالح، حيث أنتجت هذه التعاونات أعمالاً أصبحت جزءاً من الهوية الثقافية للمنطقة مثل "خالتي قماشة" و"رقية وسبيكة". لم يقتصر عطاؤها على الوقوف أمام الكاميرا، بل امتد ليشمل كتابة نصوص درامية رصينة تناولت قضايا التراث والمجتمع مثل مسلسل "الفرية" و"الداية"، إضافةً إلى مشاركاتها السينمائية في أفلام مفصلية مثل "بس يا بحر" و"نجد". حازت الفقيدة على تقدير رسمي واسع تمثل في جوائز الدولة التقديرية في الكويت وتكريمات إقليمية في الإمارات والقاهرة، مما رسخ مكانتها كأيقونة فنية عابرة للأجيال. الجانب الإنساني وحياة الأمومة والمسؤولية كشفت حياة الفهد في سيرتها الشخصية عن قلب يتسع للجميع، فإلى جانب ابنتها "سوزان" من زوجها الأول الطبيب قصي الجلبي، تولت الراحلة تربية ابنتي زوجها الثاني المغني محمود حمدي بكل إخلاص، كما قامت بكفالة فتاة يتيمة تدعى "روزان". ورغم اعتذارها الاضطراري عن الموسم الدرامي الأخير بسبب وضعها الصحي، إلا أنها ظلت حاضرة في وجدان الجمهور الذي تابع تفاصيل مرضها باهتمام كبير. رحلت حياة الفهد تاركةً خلفها مكتبة فنية زاخرة ودروساً في العصامية والتمسك بالجذور، مؤكدةً في كلماتها الأخيرة أن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن في صلاحه ورضاه بما قسمه الله له من نصيب في هذه الدنيا، ليواري الثرى جسدها وتخلد أعمالها في ذاكرة الفن العربي طويلاً. شاهدي أيضاً: من طفولة قاسية إلى أيقونة فنية: محطات ملهمة في مسيرة حياة الفهد شاهدي أيضاً: نجوم الفن يودّعون حياة الفهد برسائل مؤثرة: ستبقين في الذاكرة شاهدي أيضاً: حياة الفهد: سيرة فنية وإنسانية خلدت أثراً لا ينسى في الدراما الخليجية شاهدي أيضاً: بلقيس تحيي ذكرى وفاة صبحي عطري بسر تكشفه لأول مرة عن "طلاقها"