تحل اليوم الخميس 23 أبريل 2026، الذكرى الستون لرحيل الفنانة نعيمة عاكف، التي رحلت عن عالمنا في مثل هذا اليوم عام 1966، بعد مسيرة فنية قصيرة لكنها حافلة بالإبداع، امتدت سبعة عشر عاماً فقط. المولد والنشأة.. بين السيرك والبهلوانات ولدت نعيمة عاكف في مدينة طنطا، حيث كان والدها يدير سيركاً متنقلاً يقدم عروضه خلال ليالي الاحتفال بمولد السيد البدوي. تنتمي أسرتها إلى محافظة قنا في صعيد مصر، لكن القدر شاء أن ترى نعيمة النور في أحضان السيرك، بين الوحوش والحيوانات والألعاب البهلوانية، حيث عمل أفراد أسرتها جميعاً في هذا المجال. عندما بلغت الرابعة من عمرها، أراد والدها أن يعلمها الفن الذي يتوارثه أفراد الأسرة، لكنها لم تبد استعداداً للتعلم. لجأ الأب إلى حيلة نفسية بارعة، حيث قام بتعليم شقيقتها الكبرى حركات جديدة أمامها، وشجعها في الوقت نفسه وهو يعيّر نعيمة بأنها ضعيفة ولا تصلح للعمل مثل شقيقتها. امتلأت نفس نعيمة الصغيرة بالغيرة، فتعلمت مبادئ الأكروبات في بضعة أيام، وبعد عدة أسابيع تفوقت على شقيقتها وأصبحت نجمة الفرقة الأولى، رغم أنها لم تكن قد أتمت عامها الرابع بعد. في تلك السن المبكرة، كانت تتشقلب وتغني وتستحوذ على إعجاب جمهور الفلاحين. عندما بلغت السادسة من عمرها، طلبت من والدها أن يخصص لها مرتباً شهرياً، مهددة بالبحث عن سيرك آخر إن لم يستجب لمطلبها. كان رد الأب علقة ساخنة، لكن نعيمة جمعت ملابسها في اليوم التالي وانطلقت في الشوارع. عثر عليها زبائن السيرك وأعادوها إلى أسرتها. إزاء تهديدها بالهرب مرة أخرى، قرر والدها تخصيص مرتب يومي لها: قرشان إذا كان السيرك يعمل، وقرش واحد في أيام البطالة والإجازات الطويلة. الانطلاق نحو الشهرة انتقلت نعيمة للعمل مع والدتها وأخواتها في الصالات، لكن الأم رفضت سمع الممثل الكوميدي علي الكسار عن بهلوانات الشوارع، فتعاقد مع نعيمة مقابل اثني عشر جنيهاً شهرياً لتعمل هي وشقيقاتها في فرقته. أبهَرت نعيمة الأنظار على مسرح الكسار، مما دفع الفنانة بديعة مصابني إلى التعاقد معهن مقابل خمسة عشر جنيهاً. في فرقة بديعة مصابني، كانت هناك فتاة تدعى تيشي تلقي مونولوجات على حركات رقص الكلاكيت، وكانت بديعة تشيد دائماً بموهبتها، فأحست نعيمة بالغيرة وقررت تعلم هذه الرقصة. لم تكن مواردها تسمح بدفع أجر المدرب، فانتهزت فرصة غياب تيشي، واستعارت حذاء الرقص الخاص بها، واكتشفت قطع الحديد الموجودة فيه، ووضعته في قدميها وبدأت تقليد الرقصة. بعد ساعتين من التدريب المتواصل، تعلمتها بالكامل. صنعت حذاء مشابهاً، وأعادت الحذاء إلى مكانه. بعد أسبوع من التدريب، طلبت من بديعة مصابني إتاحة الفرصة لها لتقديم رقصة الكلاكيت، وبعد تردد سمحت لها، وعندما أنهت الرقصة صفقت لها بديعة بحرارة مع الجمهور. الصعود إلى النجومية التقط المخرج أحمد كامل مرسي نعيمة عاكف وقدمها كراقصة في فيلم "ست البيت"، ومنه اختارها المخرج حسين فوزي لتشارك في بطولة فيلمه "العيش والملح". تعاقد معها على احتكار وجودها في الأفلام التي يخرجها لحساب نحاس فيلم، وقامت بأول بطولة سينمائية لها في فيلم "لهاليبو". رغم فارق السن الكبير بينهما، تزوج المخرج حسين فوزي من نعيمة عاكف، ونقلها من شقة والدتها في شارع محمد علي إلى فيلا فاخرة في مصر الجديدة. توالت أفلامها ولمع نجمها في السينما من خلال أفلام: "بلدي وخفة"، "بابا عريس"، "فتاة السيرك"، "جنة ونار"، "تمر حنة"، "يا حلاوة الحب". في عام 1953، وبعد الزواج، شعرت نعيمة بأنها لم تحصل على قسط كاف من التعليم لأن عملها في السيرك كان يمنعها من الاستقرار في كتاب أو مدرسة، فاستعانت بمدرسين تلقت منهم دروساً في العربية والإنجليزية والفرنسية، وأصبحت بذلك تتحدث ثلاث لغات. التتويج العالمي في عام 1956، اختارها المخرج الكبير زكي طليمات بطلة لفرقة الفنون الشعبية في العمل الوحيد الذي قدمته هذه الفرقة، وهو أوبريت بعنوان "يا ليل يا عين" من تأليف يحيى حقي. سافرت نعيمة مع البعثة المصرية إلى الصين في سبتمبر 1956 لتقديم الأوبريت. وفي عام 1957، سافرت إلى موسكو لعرض ثلاث لوحات استعراضية: الأولى حملت اسم "مذبحة القلعة"، والثانية "رقصة أندلسية"، والثالثة "حياة الفجر". نالت نعيمة عاكف لقب أحسن راقصة في العالم من مهرجان الشباب العالمي بموسكو عام 1958، ضمن مشاركة خمسين دولة في هذا المهرجان. الحياة الشخصية والزواج الثاني بعد عشرة أعوام من الزواج، انفصلت نعيمة عن المخرج حسين فوزي في هدوء شديد عام 1958، بعد أن أخرج لها 15 فيلماً، آخرها فيلم "أحبك يا حسن". وبعد عام كامل من الطلاق، تزوجت من المحاسب القانوني صلاح الدين عبد العليم، الذي كانت قد تعرفت عليه عندما ذهبت إلى مكتبه لاستشارة قانونية، فأصبح بعدها المسؤول عن عقودها وارتباطاتها المالية. أنجبت منه ابنها الوحيد محمد صلاح الدين عبد العليم. تغيرت حياة نعيمة عاكف بعد زواجها الثاني بشكل جذري، فبينما كان الزوج الأول يبيح لها الظهور ببدلة الرقص في الحفلات والملاهي وعلى الشاشة، كان أول عمل قام به الزوج الثاني هو إيداع بدلة الرقص في دولاب ملابسها. المرض والرحيل شعرت نعيمة عاكف ببعض الألم أثناء عملها في فيلم "بياعة الجرايد" عام 1963، وعند إجراء الفحوصات اكتشفت أنها مصابة بداء السرطان. صارعت المرض في السنوات الثلاث الأخيرة من حياتها، حيث أصيبت بنزيف في المعدة ونقلت إلى المستشفى، وظلت به أكثر من شهر، ثم تحسنت صحتها فعادت إلى بيتها. لكن المرض عاودها من جديد، وتقرر سفرها للعلاج في الخارج على نفقة الدولة، لكن صحتها لم تكن تسمح بعد أن تدهورت حالتها بصورة خطيرة ومفاجئة. توفيت نعيمة عاكف في 23 أبريل 1966، بعد رحلة مع مرض سرطان الأمعاء، وهي على ذمة زوجها الثاني، ولم تتجاوز السابعة والثلاثين من عمرها. شاركت في بطولة خمسة وعشرين فيلماً، من أنجحها "لهاليبو" و"أربع بنات وضابط". رحلت نعيمة عاكف بعد حياة قصيرة في العمر، لكنها كانت مفعمة بحب الحياة والسيرك والفن، أسعدت الملايين، وكان حظها في هذا العالم قليلاً، تاركة إرثاً فنياً يخلد ذكراها.