بعد ان استعرضنا ارتفاع شعبية Gray Zone Warfare لا يمنع بعض عناصرها من إرباك التجربة الجزء الأول نستكمل القائمه في الجزء الثاني. Gray Zone Warfare تحتاج إلى ضبط نظام المهام كما تتيح للاعبين ضبط أسلحتهم وبناءها أكبر مشكلة تظهر في Gray Zone Warfare لا تتعلق فقط ببعض الأعطال التقنية أو تفاصيل الواجهة بل ترتبط بشكل مباشر بنظام المهام نفسه. فهذا النظام يبدو في كثير من الأحيان قاسيًا بطريقة قد تكون ممتازة أحيانًا ومحبطة جدًا أحيانًا أخرى. ومن حيث المبدأ فإن وجود عواقب حقيقية على الفشل يُعَد فكرة مناسبة جدًا لهذا النوع من الألعاب لأن Gray Zone Warfare تريد أن تمنح كل تحرك داخل العالم وزنًا حقيقيًا وتجعل القرارات الميدانية مهمة لا شكلية. ولهذا فإن خسارة بعض المهام أو تأجيل استعادتها بعد الموت تبدو منطقية داخل الإطار العام للعبة لأنها تضيف توترًا حقيقيًا وتدفع اللاعبين إلى التفكير قبل الاندفاع. وفي الواقع هذا الجانب الصارم من النظام ليس سيئًا في ذاته بل على العكس قد يكون من أكثر الجوانب التي تمنح التجربة طابعها المميز. فعندما يعرف اللاعب أن الموت بعد قبول المهمة قد يؤدي إلى فقدانها مؤقتًا أو وضعها على مؤقت قبل أن يتمكن من استعادتها فإن ذلك يجعل التخطيط والتمركز والتنسيق مع الفريق أكثر أهمية. وهذه العواقب تضيف قيمة حقيقية للتقدم داخل اللعبة وتمنح الإحساس بأن العالم لا يتسامح كثيرًا مع الأخطاء. وهذا شيء ينسجم جدًا مع هوية Gray Zone Warfare كلعبة تصويب تكتيكية بعالم مفتوح تسعى إلى قدر أعلى من الواقعية والانضباط. ولهذا السبب نفسه طوّر بعض اللاعبين طريقتهم الخاصة في التعامل مع المهام حتى يقللوا من المخاطر المرتبطة بها. فعوضًا عن تفعيل المهمة فور ظهورها أو قبولها في وقت مبكر جدًا أصبح من المعتاد عند بعض الفرق أن ينتظروا حتى يقتربوا من موقعها الفعلي ويتأكدوا من تطهير المنطقة من الأعداء أولًا ثم يبدؤوا بتنفيذ المهمة بعدها. وهذا الأسلوب يعكس أن اللاعبين فهموا قسوة النظام وتكيفوا معه بصورة عملية. وهو أيضًا دليل على أن المشكلة ليست في كون المهام صعبة أو أن عواقبها كبيرة بل في أن اللاعبين مستعدون فعلًا للتعامل مع هذا النوع من الصرامة طالما أن اللعبة من جانبها واضحة وعادلة في تقديم المعلومات. لكن هنا تظهر المشكلة الحقيقية. فالمهام لا تكون دائمًا صعبة بسبب المخاطر أو بسبب الأعداء أو بسبب التوتر الطبيعي داخل اللعبة بل أحيانًا تصبح صعبة أو مستحيلة بسبب المعلومات غير الواضحة أو غير الدقيقة التي تقدمها بنفسها. وهذا هو النوع الأسوأ من المشكلات لأن اللاعب لا يخسر بسبب تقصيره أو سوء قراره بل بسبب أن المهمة نفسها لا تشرح ما يجب عليه فعله بالطريقة الصحيحة أو توجهه إلى مكان غير دقيق أو تمنحه معطيات لا تتطابق مع الواقع داخل العالم. وعندما يحدث هذا ينهار الإحساس بالعدالة الذي يجعل القسوة مقبولة من الأساس. وما يزيد الوضع سوءًا أن Gray Zone Warfare تعتمد عمدًا على تقليل وضوح الأهداف بصريًا بطريقة الألعاب التقليدية. فالأهداف لا تكون لامعة بشكل واضح ولا تُعرض دائمًا بطريقة صريحة جدًا عند البحث في المناطق. ومن حيث الفكرة العامة هذا جزء رائع من هوية اللعبة لأنه ينسجم مع طابعها الواقعي ويجعل الاستكشاف الميداني أكثر توترًا وأقرب إلى الإحساس العسكري الجاف الذي تسعى إليه. والبحث عن موقع أو عنصر مهم داخل بيئة غير مريحة وواضحة تمامًا يمكن أن يكون تجربة ممتازة فعلًا عندما تكون المهمة نفسها مبنية بإتقان وتعطي اللاعب خيوطًا صحيحة وموثوقة. لكن هذا الأسلوب الواقعي يفقد كثيرًا من قيمته عندما تكون المهمة نفسها تقدم معلومات خاطئة أو مضللة. ففي هذه الحالة لا يعود الغموض عنصرًا مثيرًا أو مقصودًا بل يتحول إلى تشويش غير عادل. واللاعب هنا لا يواجه تحديًا واقعيًا جميلًا بل يضيع وقته في مطاردة هدف غير موجود في المكان الذي أخبرته اللعبة أن يذهب إليه. وهذا فرق جوهري جدًا. فالواقعية تكون ممتعة عندما تطلب منك الانتباه والدقة. أما عندما تقودك إلى الاتجاه الخطأ أصلًا فإنها لا تعود واقعية بقدر ما تصبح مربكة ومنهكة. ومن أوضح الأمثلة على ذلك مهمة Like a Boss Grin’s 1911 C التي يُفترض أن تقود اللاعبين إلى Kapu Boat Rental لكن علامة الخريطة تظهر في مكان مختلف تمامًا. وهذه ليست مجرد هفوة صغيرة يمكن تجاوزها بسهولة لأن المشكلة تبدأ من لحظة اتخاذ القرار نفسه. فاللاعب ينطلق بناء على الثقة في المعلومات التي قدمتها له المهمة. وقد يسافر لمسافة طويلة ويجهز عتاده ويخاطر في الطريق ويصل إلى الموقع المحدد على الخريطة ثم يبدأ فقط في اكتشاف أن كل هذا الجهد بُني على توجيه خاطئ من الأساس. وهنا لا يكون الإحباط ناتجًا عن صعوبة القتال أو خطورة الطريق بل عن الشعور بأن الوقت ضاع في مطاردة إشارة لا تقود إلى شيء. ولا يوجد ما هو أكثر إحباطًا من الوصول إلى مكان محدد بثقة كاملة لأن اللعبة أخبرتك أن الهدف هناك ثم تجد نفسك في بقعة فارغة لا علاقة لها بما تبحث عنه. والأسوأ أن هذا الاكتشاف لا يحدث دائمًا في البداية بل بعد جزء من التحضير أو التنقل أو مسح المنطقة أو محاولة فهم ما إذا كنت قد أخطأت في البحث. ثم تأتي لحظة إخراج الهاتف مرة أخرى فقط لتكتشف من مصادر خارجية أنك لست قريبًا أصلًا من المكان الصحيح رغم أن المهمة تقول بوضوح إنك وصلت إليه. وهذه اللحظة تختصر المشكلة كلها لأن اللاعب لا يشعر فقط بالضياع بل يشعر أن اللعبة نفسها دفعته إلى هذا الضياع. وهنا يظهر التناقض الكبير داخل Gray Zone Warfare. فاللعبة تمنح اللاعبين حرية كبيرة في ضبط أسلحتهم وبناء تجهيزاتهم وتعديل أسلوبهم القتالي بدقة واضحة جدًا. ويمكن للاعب أن يقضي وقتًا طويلًا في تحسين سلاحه واختيار القطع المناسبة وضبط كل تفصيل ليحصل على الأداء الذي يريده. لكن في المقابل لا يحصل نظام المهام على المستوى نفسه من الدقة والعناية والمرونة. وكأن اللعبة تطلب من اللاعب أن يكون شديد التنظيم والانتباه في ميدان القتال بينما لا تقدم له في بعض المهام المستوى نفسه من الانضباط في المعلومات الأساسية. ولهذا تبدو الحاجة ملحة إلى أن تضبط Gray Zone Warfare مهامها بالطريقة نفسها التي تضبط بها أدوات القتال. فالمطلوب ليس أن تصبح الأهداف مفرطة في التبسيط أو أن تتحول إلى علامات ضخمة تسلب اللعبة هويتها الواقعية. بل المطلوب أن تكون المعلومات الأساسية صحيحة وأن تكون العلامات والبيانات التي تقدمها المهمة موثوقة بما يكفي حتى يصبح الغموض الناتج بعد ذلك جزءًا من التحدي لا نتيجة لخلل. فاللاعب يمكنه تقبل الصعوبة ويمكنه تقبل العقوبة ويمكنه حتى تقبل الغموض لكن من الصعب جدًا أن يتقبل أن تكون بداية المهمة نفسها مبنية على إشارة خاطئة. وضوح المهام في Gray Zone Warfare يجب أن يشمل كل جزء من التجربة ولا تتوقف المشكلة عند مهمة واحدة فقط لأن هناك مهام أخرى تقع في الخطأ نفسه حين تخبر اللاعب أن منطقة الهدف موجودة في مكان يبدو قابلًا للوصول ومحددًا بوضوح ثم يتبين لاحقًا أن الموقع خاطئ تمامًا أو أن الهدف الحقيقي يقع خارج هذا الموضع أو حتى خارج حدود الخريطة الفعلية. وهذا النوع من المشكلات يترك أثرًا سيئًا جدًا لأن اللاعب لا يضيع وقته فقط في التنقل والبحث بل يبني قراراته كلها على معلومة يفترض أنها أساسية وموثوقة ثم يكتشف أنها لم تكن كذلك من البداية. وعندما يتكرر هذا الأمر أكثر من مرة لا يعود الإحباط مرتبطًا بمهمة بعينها بل يتحول إلى شك عام يرافق اللاعب كلما استلم مهمة جديدة أو توجه إلى علامة على الخريطة. وما يجعل الوضع أكثر سوءًا أن Gray Zone Warfare تملك أصلًا طبقة أخرى من التعقيد المقصود داخل نظام المهام. فاللعبة لا تريد أن تمنحك كل شيء بسهولة ولا تسعى إلى وضع الأهداف أمامك بطريقة مباشرة جدًا بل تعتمد على التوتر والغموض النسبي والبحث الميداني بوصفها جزءًا من التجربة. وهذا في حد ذاته يمكن أن يكون ممتازًا ويمنح اللعبة طابعًا أكثر جدية وواقعية. لكن حين تجتمع هذه الصعوبة المقصودة مع معلومات خاطئة أو مؤشرات مضللة فإن النتيجة لا تكون تحديًا ذكيًا بل فوضى مربكة. فاللاعب يجد نفسه مطالبًا بالتعامل مع قسوة النظام المقصودة وفي الوقت نفسه يتحمل أخطاء لم يكن له أي دور في صنعها. ولهذا يبدو في الحد الأدنى أن مثل هذه المهام لا ينبغي أن تكون نشطة داخل اللعبة بصورتها الحالية. فوجودها لا يضيف عمقًا حقيقيًا ولا يخلق تجربة أكثر واقعية بالمعنى الإيجابي بل يزرع ترددًا دائمًا تجاه نظام يفترض أن يكون أساسًا موثوقًا في لعبة تعتمد أصلًا على التوتر والتخطيط. واللاعب يمكنه أن يتقبل أن تكون المهمة خطيرة أو معقدة أو تحتاج إلى بحث دقيق. لكنه لا يتقبل بسهولة أن تكون نشطة بينما هي تقدم بيانات لا يمكن الوثوق بها أو تدفعه إلى مسار خاطئ منذ اللحظة الأولى. ومن هنا تظهر المشكلة الأعمق في صورة Gray Zone Warfare العامة. فاللعبة تطمح بوضوح إلى أن تكون لعبة تصويب تكتيكية بعالم مفتوح تتسم بالدقة التقنية والأنظمة الواضحة والهوية المحكمة. ومن السهل رؤية هذا الطموح في تصميمها وفي أسلوب قتالها وفي الطريقة التي تحاول بها بناء عالم يشعر اللاعب داخله بأن كل شيء محسوب وله وزن. كما أن الإمكانات الموجودة فيها فعلًا توحي بأنها قادرة على الوصول إلى شيء مميز جدًا إذا استمر التطوير بالاتجاه الصحيح. وهذا ما يجعل الانتقاد هنا نابعًا من الإيمان بإمكاناتها لا من إنكارها. لكن الوضوح الذي تسعى إليه اللعبة في بعض أنظمتها يجب ألا يظل محصورًا في جوانب محددة فقط. فلا يكفي أن تكون الأسلحة دقيقة في تعديلاتها أو أن يكون القتال غنيًا في تفاصيله أو أن يكون الأداء قد تحسن إذا بقيت بعض عناصر التجربة الأساسية تعاني من غموض غير مقصود أو من معلومات مضللة. لأن الوضوح الحقيقي في لعبة مثل Gray Zone Warfare لا يجب أن يكون شعارًا عامًا أو نجاحًا جزئيًا بل يجب أن يمتد إلى كل ما يتعامل معه اللاعب بصورة يومية من المهام إلى التتبع إلى المؤشرات إلى طريقة فهم العالم نفسه. وفي وضعها الحالي يبدو أن هذا الوضوح لم يكتمل بعد. فبدلًا من أن ينشغل اللاعب فقط بما يجب أن يخشاه طبيعيًا أثناء اللعب مثل الأعداء والمخاطر والتمركز والاشتباك والنجاة يجد نفسه مضطرًا إلى إضافة قلق آخر إلى قائمته وهو التساؤل عمّا إذا كانت المهمة نفسها دقيقة أصلًا. وهذا النوع من القلق ليس من النوع الممتع الذي تصنعه اللعبة عمدًا بل من النوع الذي يكسر الانغماس ويجعل اللاعب مترددًا حتى قبل أن تبدأ المواجهة الحقيقية. وعندما يصبح الشك في صحة المهمة حاضرًا بهذه الدرجة فإن التجربة تخسر جزءًا مهمًا من ثقة اللاعب في عالمها. كاتب لاعب متمرس، أعشق ألعاب القصة، ولا أجد حرجًا في قول أنني أحب ألعاب التصويب من منظور الشخص الأول أيضًا.