سؤال يتجدد مع ختام كل دورة من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، الذي أكمل هذا العام دورته الثانية عشرة، ليس فقط باعتباره فعالية فنية، بل كظاهرة ثقافية استطاعت أن تخلق لنفسها مكانا ثابتا على خريطة المهرجانات في مصر.
خلال سنوات قليلة، تحول المهرجان إلى مساحة حقيقية لشباب صناع الأفلام، خاصة أولئك الذين يخطون خطواتهم الأولى في عالم السينما.
لم يعد المهرجان مجرد منصة عرض، بل نافذة مزدوجة يطل منها المخرجون على تجارب غيرهم، ويعرضون من خلالها محاولاتهم الأولى أمام جمهور حقيقي ونقاد ومتخصصين في الصناعة.
هذه المعادلة البسيطة كانت كافية ان تمنح المهرجان طاقة متجددة كل عام وانتي لي يد صناعة المخرج محمد محمود رئيس المهرجان والمخرج محمد سعدون مدير المهرجان والمخرج موني محمود المدير الفني.
من بين أبرز ملامح هذه التجربة، برنامج الأفلام القصيرة المصرية، الذي تحول تدريجيا إلى ما يشبه المهرجان القومي المصغر للأفلام القصيرة والذي اتمنى ان يعاد عرضه اكثر من مره في قاعات أخرى مع سينما مترو.
لا يقتصر تفرد هذا البرنامج على جودة الاختيارات وتنوعها فحسب بل في كونه يجمع افلاما لم تجد فرص عرض كافية على مدار العام، ليمنحها مساحة مشاهدة ونقاش مع صناعها.
يشهد هذا البرنامج اقبال جماهيري واسع رغم توقيت عرضه في الواحدة ظهراً وهو وقت ذروة ما يكشف عن وجود جمهور حقيقي متعطش لهذا النوع من السينما، بعيدا عن القوالب التجارية المعتادة.
هذا الإقبال لا يمكن فصله عن تنوع التجارب المطروحة، سواء على مستوى الموضوعات أو المعالجات الفنية.
قدمت الأفلام المشاركة نماذج مختلفة لمواهب جديدة، استطاعت التعبير عن أفكارها بأساليب بسيطة تحمل عمقاً في الطرح.
من بين المفاجأت اللافتة في الأفلام المختارة، عودة كوميديا الموقف بشكل مختلف، في فيلم “اتحشر” للمخرج رامي منصور، قدم نموذج يؤكد أن الكوميديا لا تزال قادرة على التطور برؤية ناضجة ومسؤولة، وأنه لا يزال بالإمكان تقديم كوميديا موقف بعيدة عن الابتذال في الأفكار أو الألفاظ.
وعلى الرغم من تنوع موضوعات الأفلام، فإنها حملت روحا متماسكة جمعت بينها، حيث كانت الموضوعات الاجتماعية هي الأكثر حضورا، خاصة علاقات الأبناء مع أباءهم ، التي كانت السنة الاكثر انتشارا بين الموضوعات المتداولة، حتي وان قدمت بأسلوب سردي مختلف، لكنها اشتركت في التعبير عن الفجوة العميقة بين الأجيال الجديدة وأساليب التربية القديمة، وتأثيرها على تكوين نفسية الأبناء في المستقبل.
في فيلم "غاب البحر" للمخرج مايكل يبوح، نرى لقطة إنسانية من حياة أم يهجرها أبناؤها، فتغرق في وحدتها بعد وفاة زوجها، كاشفا عن جفاف المشاعر التي قد يحمله الأبناء تجاه الاباء وسط صخب الحياة وتسارعها.
أما فيلم "الظل" للمخرجة أنجيلا فادي، يقدم صرخة ابن يسعى للانفصال عن سلطة الأب، فيواجهه بماضيه، ليصطدم بحقيقة أن الأبناء عادة يصبحون انعكاس لحياة اباءهم في مراحل سابقة من حياتهم.
ويعبر فيلم "قرار انقسام" للمخرج سيف عبد النبي عن هذا التمرد بشكل مباشر، من خلال ابن يتنصل من مسؤولية مساعدة والده المريض، مستخدما حيلة طبية لتفادي إجراء جراحة نقل فص كبد، في طرح يكشف تعقيدات العلاقة بين الواجب والرغبة في الانفصال.
كما يقدم المخرج سامح علاء فيلم تحريك ساخر بعنوان "س الديب ورحلة البحث عن التاج المفقود"، يتناول علاقة الابن بوالده من زاوية مختلفة، حيث يتأمل مسار حياته من خلال طقس قص الشعر، في الزيارة الأولى بين الأب وابنه إلى محل الحلاقة، باعتباره أحد أشكال الارتباط الأولى بين الاباء وأبنائهم الذكور.
ومن خلال كرسي الحلاقة، تنكشف التفاصيل الداخلية لعلاقة الابن بوالده، وما تخفيه مشاعره الحقيقية تجاهه.
تتجلى العلاقة المتوترة بين الاباء والأبناء في فيلم "تيتا" للمخرج أحمد سمير، الذي يتناول التأثير النفسي لوفاة الأم على الابنة وحفيدها، عبر علاقة ثلاثية معقدة تكشف عجز الأمهات عن فهم نفسية الأطفال، وسوء استخدام سلطة الامومة، وتفريغ الغضب في مواضع خاطئة، ويصبح موت الجدة هنا حدثا كاشفا لطبيعة العلاقة المتوترة داخل الأسرة.
بينما يؤكد الفيلم القصير "صدى" للمخرجة عزة كامل أن الأثر النفسي الذي تتركه أساليب التربية لا يزول بمرور الوقت، مهما بلغ عمر الأبناء، بل يظل ممتداً داخلهم، تاركا أثرا لا يمحى عبر السنين.
المهرجان لا يتوقف دوره عند عرض الأفلام، بل يقوم بدور أعمق وهو إعادة اكتشاف أفكار ومواهب لا تجد طريقها بسهولة إلى المنتجين أو السوق.
فصناعة الفيلم القصير، رغم محدودية إمكانياتها، تظل مساحة كاشفة وحقيقية للتجريب، وربما أكثر صدق وتعبير عن جيل جديد من صناع السينما.
ورغم التحديات الواضحة، وعلى رأسها محدودية الميزانية وقلة الجهات الداعمة، يواصل القائمون على المهرجان تطويره عام تلو الأخر مع إدراك أن استمرارية أي مهرجان لا تبني إلا برؤية طويلة المدى. هذه الرؤية تتجلى بوضوح في قدرة الإدارة على فهم جمهورها، والعمل على ربطه بالحدث، ليس كمشاهد فقط، بل كجزء من التجربة نفسها.
واحدة من أهم نقاط نجاح المهرجان هذا الارتباط بمدينة الإسكندرية، فالمهرجان يصنع بأيدي أبنائها، و يمتد ذلك من مشاركة المتطوعين في التنظيم، حتي تعاون طلاب الجامعات، مثل طلاب كلية اللغات والترجمة الذين يتولون ترجمة الأفلام سنويا كمشروع تخرج.
هذا التداخل بين الحدث وجمهوره يمنح المهرجان خصوصية نادرة، ويخلق حالة من الانتماء يصعب تكرارها.
يعكس اختيار المكرمين في المهرجان وعي إداري ملحوظ حيث يتم تكريم أسماء تنتمي إلى المدينة ونجحت في شق طريقها داخل الصناعة، لتصبح نماذج ملهمة للأجيال الجديدة.
وهي خطوة تتجاوز فكرة التكريم التقليدي، لتتحول إلى رسالة ضمنية مفادها أن النجاح ممكن، وأن الطريق ليس مستحيل كما يبدو.
في النهاية، يمكن القول إن نجاح مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير لا يعود إلى عامل واحد، بل إلى مجموعة من العناصر المتكاملة جمهور حقيقي، منصة حرة للتجريب، إدارة واعية، وانتماء واضح للمكان.
تجربة ربما تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في جوهرها تعكس ما يمكن أن تصنعه الإدارة الناجحة حين تتوفر الفرصة، حتى وإن كانت الإمكانيات محدودة.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
