في كل عام، حينما تطل علينا ذكرى رحيلها، تستيقظ في الوجدان صورة تلك الفتاة التي غادرت حي "شبرا" العتيق في القاهرة محمولة على أجنحة الأحلام، لتتربع على عرش الغناء العالمي، داليدا، أو "يولاندا جيجليوتي"، لم تكن مجرد مغنية عابرة، بل كانت حالة إنسانية وفنية فريدة، مزجت في صوتها جدعنة بنات شبرا ، ودفء النيل، وكبرياء إيطاليا، ورقيّ فرنسا، من أزقة شبرا إلى أضواء "أولمبيا" ولدت داليدا في 17 يناير 1933 لأسرة إيطالية هاجرت إلى مصر بحثًا عن الرزق في وطن كان وقتها ملاذًا للمبدعين، و نشأت "يولاندا" وفي مخيلتها إرث عمتها الممثلة الإيطالية الشهيرة "إليونورا دوزي"، الإلهام الأول لمدرسة ستانيسلافسكي، وهذا الإرث جعلها تؤمن بأن الموهبة تجري في عروقها. بدأت رحلتها من مسابقات الجمال، حيث توجت ملكة جمال مصر عام 1954، وكان هذا اللقب هو المفتاح الذي فتح لها أبواب السينما المصرية، فشاركت في أفلام مثل "سيجارة وكاس" مع سامية جمال، وظهرت كـ "دوبلير" للنجمة جوان كولينز، وهناك التقت بالشاب عمر الشريف الذي كان يبحث عن شهرته هو الآخر، لكن طموح داليدا كان أكبر من حدود المكان؛ فشدت الرحال إلى باريس في ديسمبر 1954، ورغم البرودة والوحدة في البداية، استطاع مدرب الصوت "رولاند برجر" أن يكتشف الكنز الكامن في حنجرتها، مقنعًا إياها بأن الغناء هو طريقها الحقيقي. ومن هنا تحولت "داليلة" إلى "داليدا"، الاسم الذي هزّ أركان مسرح "أولمبيا" العريق ولفت أنظار "برونو كوكاتريكس"، وبرغم نجاحها الأسطوري في الغناء، ظل هاجس التمثيل يطاردها، ولم تكتفِ داليدا بكونها "مؤدية" على المسرح، بل كانت "ممثلة صوتاً وحضوراً"، وتجلى ذلك بوضوح عندما عادت إلى حضن السينما المصرية عام 1986 من خلال فيلم "اليوم السادس" للمخرج العالمي يوسف شاهين. في هذا الفيلم، خلعت داليدا رداء النجومية الباريسية، لتجسد دور "صديقة"، السيدة المصرية البسيطة التي تكافح لإنقاذ حفيدها، وقدمت داليدا أداءً تراجيديًا مذهلاً أثبت أن قدراتها التمثيلية لا تقل شأنًا عن حنجرتها الذهبية. وفي حفل افتتاح الفيلم، احتشد ثلاثة ملايين شخص في حي شبرا لاستقبال ابنتهم العائدة، في مشهد تاريخي يجسد حجم المحبة التي يكنها المصريون لها. داليدا التي غنت بـ 9 لغات، كان لها مع اللغة العربية والأغنية المصرية علاقة "حبل سري" لم ينقطع، فلم تغنِّ بالعربية لمجرد التنويع، بل غنت بإحساس ابنة الأرض، وتعتبر هذه الأغنية "نشيدًا وطنيًا" عاطفيًا، لم تغنِ فيها داليدا لمصر ككيان سياسي، بل غنتها كـ "بيت وذكريات"، والمذهل في رحلة داليدا مع هذه الأغنية أنها غنتها بحب شمل كل تفاصيل مصر، فكانت تدندن بمدنها ومحافظاتها، وترى في شمسها أمانًا لا تجده في صقيع أوروبا، والتحليل الموسيقي للأغنية يظهر دمجًا عبقريًا بين "الشانسون" الفرنسي والمقامات الشرقية، وصوت داليدا كان الجسر الذي عبر عليه الحنين، وقدمت أغنية "أحسن ناس" التي كانت بمثابة تحية لكل أقاليم مصر، و"سالمة يا سلامة" التي أعادت إحياء تراث سيد درويش بروح عالمية، مما جعل الأغنية المصرية تتردد في ملاهي باريس وشوارع طوكيو. خلف الأضواء الباهرة والفساتين المرصعة، كانت داليدا تخفي جروحًا غائرة، وطاردتها لعنة الانتحار في أحبائها؛ من شريكها "لويجي تينكو" عام 1967، إلى زوجها الأول "لوسيان موريس"، ثم صديقها في السبعينات، وعاشت داليدا صراعًا بين "يولاندا" الإنسانة الوحيدة، و"داليدا" النجمة التي يصفق لها الآلاف، ووفي 3 مايو 1987، قررت أن تضع حدًا لهذا الصراع بجرعة زائدة من المهدئات، تاركة رسالة مقتضبة: "سامحوني، الحياة لم تعد تحتمل"، ورحلت داليدا جسدًا، وبقيت تمثالًا بالحجم الطبيعي في مقبرة مونمارتر بباريس، وصوتًا لا يموت ويتردد صداه في أزقة شبرا وعلى ضفاف السين، فداليدا هي القصة التي لا تنتهي عن الفن والجمال والألم، وهي "حلوة يا بلدي" التي ستبقى خالدة ما بقي النيل.