حددت وزارة الاوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان "دعوة الإسلام إلى التراحم"، مشيرة إلى أن الهدف: التوعية بأن الإسلام دين الرحمة، وضرورة تراحم الناس فيما بينهم، كما حددت موضوع الخطبة الثانية: وآتوا حقه يوم حصاده. وتابعت: إن الرحمة التي يبثُّها الإسلام في القلوب، رحمة لا تعرف حدودًا، تمتد لتشمل الناس جميعًا بل تشمل الخلق كافة، حتى يغدو المجتمع كيانًا متراحمًا، وبحرًا زاخرًا بالمودة والرحمة، تتعانق فيه القلوب على الصدق، وتتلاقى فيه الأرواح على النصح، ويتجسد فيه أسمى معاني التعاطف والإنسانية فيما بينهم. وفي ظلال هذه الرحمة، تزول قسوة القلوب، وتنكسر حدّة الأنانية، فيغدو الإنسان عونًا لأخيه، يشعر بألمه قبل أن ينطق، ويسعى في قضاء حاجته قبل أن يطلب، وتصبح العلاقات الإنسانية قائمةً على البذل لا على الأخذ، وعلى الإيثار لا على الاستئثار، هناك، تُبنى المجتمعات على أسسٍ من الرفق والتسامح، ويغدو الضعيف فيها مصونًا، والمحتاج مكفولًا، والمخطئ مُقوَّمًا برفقٍ لا بعنف، وبحكمةٍ لا بقسوة. وهكذا تصنع الرحمة أمةً حيَّةً نابضةً بالخير، يسودها التراحم كما يسود الجسدَ الواحدَ شعورُ أعضائه، فإذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى، فيتحقق بذلك معنى الأخوّة الصادقة، وتشرق في جنبات المجتمع أنوار الإنسانية التي أرادها الإسلام هدايةً ورحمةً للعالمين. وإليك طرفًا من عناية الإسلام بهذا الخُلق الكريم الرحمة من أخص صفات الله جل جلاله إن اللهَ عزَّ وجلَّ جعل اتصافه بالرحمن الرحيم عنوانَ كتابه الكريم، فافتتح به سوره، وكرَّر ذكره في آياته، فقد ورد اسم الرحمن في مواضع عديدة، واسم الرحيم في مواضع أكثر، ليغمر القلوبَ بمعاني الطمأنينة، ويُشيع في النفوس روحَ الرجاء، وجعل سبحانه رحمته سابقةً لغضبه، دلالةً على سَعة فضله، وعظيم إحسانه، "والرَّحْمنِ الرَّحِيمِ صفتان مشتقتان من الرحمة، والرحمة في أصل اللغة: رقة في القلب تقتضي الإحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفًا لله تعالى، ولذا فسرها العلماء بإرادة الإحسان، أو بالإحسان نفسه، فالرَّحْمَن وصف دال على رحمة الله تعالى بكَافَّة خلقه، بِأَن خلقهمْ وأوسع عَلَيْهِم فِي رزقهم، والرحيم خَاص فِي رَحمته لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ بِأَن هدَاهُم إِلَى الْإِيمَان وَهُوَ يثيبهم فِي الْآخِرَة الثَّوَاب الدَّائِم الَّذِي لَا يَنْقَطِع" [تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج]. وعن سعة الرحمة الإلهية نطقت الآيات القرآنية على لسان المخلوقات النورانية: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [غافر: ٧ ]، وقال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: ١٥٦]، قال الإمام الماتريدي: "ما من أحد من مسلم وكافر إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا، بها يتعايشون ويؤاخون ويوادون، وفيها يتقلبون، لكنها للمؤمنين خاصة في الآخرة، لا حظ للكافر فيها" [تأويلات أهل السنة]. وقال تعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: ٥٤].