أحد أهم الأسباب التي جعلت اختيار المطوّر IO Interactive يبدو مثالياً لتحويل شخصية العميل السري جيمس بوند، من تأليف إيان فليمنج، إلى لعبة فيديو جديدة، هو الإرث الذي بناه الفريق عبر سلسلة Hitman. فهذه السلسلة تقوم أساساً على مهمات تسلّل بأسلوب الـSandbox، حيث تُترك لك الحرية الكاملة لاختيار الطريقة التي تُنهي بها أهدافك وسط مواقع فاخرة وغريبة حول العالم — وهو أسلوب يكاد يبدو وكأنه صُمّم منذ البداية ليخدم مغامرات بوند، خاصة وأن روح العميل 007 كانت حاضرة دائماً بين سطور ألعاب Hitman.
لكن مع 007 First Light أراد الاستوديو تقديم رؤية مختلفة عمّا أتقنه في ألعاب Hitman السابقة. فإلى جانب المشاهد السينمائية الضخمة ومعارك إطلاق النار الأنيقة، تعتمد اللعبة على نهج يضع الشخصية أولاً. هنا لن تعتمد فقط على التسلل أو الأسلحة، بل على كاريزما بوند، ولباقته الاجتماعية، وقدرته على الارتجال للخروج من أصعب المواقف.
هذا التوجه فتح الباب أمام تجربة أكشن-تسلل أكثر إنسانية وحيوية، حيث تصبح الشخصية نفسها أداة لعب. فبدلاً من مجرد الاختباء في الظلال، تمنحك اللعبة الأدوات لاستغلال المواقف المتوترة التي يجد بوند نفسه عالقاً داخلها — وتحويلها لصالحك بأسلوب أنيق لا يخلو من الجرأة.
ويشرح Martin Emborg، المخرج السردي والمدير الإبداعي لعلامة بوند داخل الاستوديو، الفكرة قائلاً إن إعادة تقييم الدروس المستفادة من Hitman من أجل لعبة جيمس بوند كانت تجربة رائعة. فـالعميل Agent 47 ينجح لأنه بلا هوية تقريباً؛ أشبه بالموت الصامت الذي يدخل بلا تعبير، ينفذ مهمته، ثم يختفي. أما بوند فهو النقيض التام — شخص يعتمد على السحر الشخصي، الجرأة، وخفة الظل التي تجعله دائماً مركز الاهتمام.
ومن خلال التجربة الاستعراضية الأخيرة، يتضح أن First Light تعتمد على إيقاع سريع ودفعٍ مستمر للأحداث، مزيج بين لحظات ضخمة مليئة بالإثارة وأخرى أكثر هدوءاً تسمح بالتفاعل الاجتماعي. تخيّل حرية اللعب في Hitman، لكن داخل مراحل مصممة بإحكام يشبه أسلوب سلسلة Uncharted السينمائية. فبدلاً من البيئات المفتوحة المعقّدة التي اشتهرت بها Hitman، تقدم اللعبة مغامرة سردية تقود بوند عبر مهمات شبه خطية، دون أن تتخلى عن حرية إيجاد الحلول بطرقك الخاصة.
الاختلاف الجوهري هنا أن بوند ليس شبحاً متخفياً كـAgent 47. هو دائماً حاضر… حتى عندما يعمل متنكراً. فلسفته بسيطة: ادخل المكان وكأنك تنتمي إليه. ومن خلال هذه الثقة، يجد طريقه إلى قلب الخطر… ثم يخرج منه بأناقة.
هذا المفهوم يفتح زاوية مثيرة جداً لألعاب التسلل، حيث لا يقتصر النجاح على الاختباء، بل يعتمد على جمع المعلومات، التنصّت على الحوارات، قراءة الأشخاص من حولك، واستغلال الذكاء وسرعة البديهة للتقدّم خطوةً قبل الجميع. هنا، التسلل ليس مجرد صمت… بل حضورٌ محسوب بدقة.

إلى جانب فنون التلاعب الاجتماعي، يستطيع James Bond استغلال كاريزمته العالية لخداع طريقه نحو الهدف. فمهارة الخداع (Bluff) — التي تتطلب إنفاق نقاط الحركة لتنفيذها — تسمح لك بتبديد شكوك الحراس، بل وصناعة مواقف طريفة تفتح لك ممراً آمناً وسط الإجراءات الأمنية. إنها محاولة واضحة لتحويل جُمل بوند الساخرة وتعليقاته الشهيرة إلى ميكانيكيات لعب حقيقية، ومن الممتع رؤية هذه اللحظات تتجسد أثناء اللعب.
خلال بعض المواجهات، يمكنك حتى التظاهر بالاستسلام، ثم استغلال اقتراب الأعداء لتنفيذ ضربة خاطفة تنهي الموقف لصالحك. وفي إحدى اللحظات الطريفة، تمكن بوند من إقناع حارس مرتاب بأمره بأن زميله المغمى عليه — والذي كان قد أسقطه سابقاً — يعاني حالة طبية طارئة ويحتاج إلى مساعدة عاجلة… وما إن اقترب للتحقق حتى تلقى ضربة سريعة أطاحت به أرضاً.

بحسب مخرج السرد القصصي Martin Emborg، فإن عناصر الخداع والهندسة الاجتماعية تضيف طبقة جديدة كلياً إلى أسلوب الأكشن والتسلل، وتهدف إلى جعل البيئات تبدو نابضة بالحياة وليست مجرد ساحات لعب جامدة. ويوضح إمبورغ أن العالم أصبح أكثر حيوية بفضل الشخصيات غير القابلة للعب (NPCs)، إذ يمكنك التنصت على الأحاديث، ثم استخدام المعلومات لاحقاً للتسلل أو خداع الآخرين. والأجمل أن هذه التفاصيل لا تختفي فوراً؛ فالأحداث الصغيرة التي تصنعها في بداية المرحلة قد تعود لاحقاً كخيوط مترابطة، حيث قد تسمع شخصية أخرى تقول: “آه نعم، سمعت عن ذلك الرجل.” لحظات صغيرة لكنها تمنح شعوراً بأن العالم يتذكر أفعالك. ويضيف مبتسماً: هل وجود هذه التفاصيل ضروري لإنهاء اللعبة؟ ربما لا. لكن المتعة الحقيقية تظهر عندما تتقاطع هذه الأحداث فجأة، وتشعر أنك جزء من قصة حيّة تتحرك من حولك.
ويرى الفريق أن هذه الفلسفة امتداد طبيعي لما تعلّموه عبر سنوات العمل على سلسلة Hitman، حيث اعتاد الكتّاب التعامل مع عوالم مزدحمة بالشخصيات والقصص المتشابكة. لكن الفارق هذه المرة أن كل تلك الخبرة صُبّت داخل تجربة ذات إيقاع سردي سريع ومتقدم للأمام، بدلاً من البنية المعقّدة أشبه بآلات روب غولدبرغ التي ميّزت تصميم مراحل Hitman.
في كثير من النواحي، تبدو 007 First Light أقرب ما يكون إلى لعبة بوند المتكاملة التي انتظرها اللاعبون طويلاً. فبينما حاولت ألعاب سابقة مثل James Bond 007: Everything or Nothing و From Russia with Love تقديم تجربة جاسوسية أكثر وفاءً لأجواء السلسلة، ظلت أشهر ألعاب بوند تميل إلى أسلوب التصويب المباشر على خطى الكلاسيكية GoldenEye 007.
أما الآن، ومع التركيز على تحويل بوند إلى تجربة أكشن-مغامرات قائمة على أن تكون جاسوساً فعلاً، تبدو اللعبة بمثابة إعادة انطلاقة مثيرة للشخصية بعد وداع No Time to Die لعهد الممثل Daniel Craig. والآمال معلّقة على أن ينجح استوديو IO Interactive في إطلاق حقبة جديدة من مغامرات الأكشن لهذه الأيقونة الخالدة.
كاتب
أعشق ألعاب الفيديو منذ أيام جهاز العائلة، و أفضل ألعاب المغامرات أمثال Tomb Raider و Assassins Creed (قبل التحول للـRPG)، ليس لدي تحيز لأي جهاز منزلي بالنسبة لي الأفضل هو الذي يقدم الألعاب الأكثر تميزاً. ما يهمني هو التجارب ذات السرد القصصي المشوق فالقصة هي أساس المتعة أكثر من الجيمبلاي.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة سعودي جيمر ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من سعودي جيمر ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
