لم يدخل الفنان الكبير هاني شاكر عالم الغناء من الباب الواسع مباشرةً، بل بدأ رحلته من الظل، حرفياً. كان عام 1966 حين وقف طفلاً صغيراً أمام الكاميرا في فيلم "سيد درويش" للمخرج أحمد بدرخان، مجسّداً الموسيقار الراحل في طفولته. ثم جاءت لحظة أكثر دلالةً حين أضاف صوته إلى كورال أغنية "بالأحضان"، خلف عبد الحليم حافظ نفسه، دون أن يدرك أن تلك اللحظة ستتحول لاحقاً إلى مادة لقصص وشائعات امتدت لسنوات.
حين صنع الإعلام "الأسطورة"
مع مطلع السبعينيات، لمع نجم هاني شاكر بسرعة لافتة، واكتسبت مسيرته زخماً حقيقياً بعد أن اكتشفه الموسيقار محمد الموجي، وقدّمه للإذاعة عام 1972 بأغنية "حلوة يا دنيا".
في تلك المرحلة بالذات، بدأ الإعلام يرسم صورة مغايرة للواقع؛ إذ نشر الصحافي نبيل عصمت عبارةً استفزازيةً مفادها أن عبد الحليم سيتوجه إلى معهد الموسيقى "ليأخذ الزمارة من حنجرة هاني شاكر"، فأثار ذلك غضب العندليب، وفتح باباً من السجال الذي أسهم في الوقت ذاته في رفع اسم شاكر وتوسيع انتشاره.
ومضت الصحافة في تصوير المشهد كأن ظهور شاكر "معركة" يخوضها الموجي ضد عبد الحليم، في ظل الخلاف المعروف بين الرجلين آنذاك. غير أن شاكر نفسه كان يرفض هذه الرواية جملةً وتفصيلاً، مؤكداً أنه لم يصرّح بشيء مما نُشر، وأنه كان ولا يزال معجباً بعبد الحليم ومن أشد المتأثرين بصوته.
دعم جاء من حيث لا يُتوقع
في تلك الحقبة الفنية المتشابكة، تلقّى شاكر دعماً من كوكب الشرق أم كلثوم نفسها، التي تواصلت مع الملحن خالد الأمير لتقديم أغنية "كده برضه يا قمر" له، وهو عمل حقق انتشاراً واسعاً. وذهب دعمها أبعد من ذلك، حين طلبت من الفنانة شادية أن تصطحب شاكر في حفلاتها، مما منحه منبراً جماهيرياً حقيقياً. في الوقت ذاته، دعمه الموسيقار محمد عبد الوهاب بتكليف محمد سلطان بتلحين عمل له، ليجد شاكر نفسه في قلب حلبة توازنات فنية دقيقة بين كبار الجيل.
الحقيقة في الكواليس
روى الإعلامي الراحل وجدي الحكيم ما يكشف الوجه الإنساني الحقيقي لهذه العلاقة؛ إذ أفاد بأن عبد الحليم حضر حفلاً لشاكر في أعياد الربيع، وعلّق قائلاً: "صوت هاني حلو، لكنه يحتاج إلى كذا وكذا"، في نقد مهني يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً. وأشار الحكيم كذلك إلى أن عبد الحليم قال لشاكر قبيل سفره الأخير للعلاج: "يا هاني أنا طالع أسمعك، المستقبل لك، فأنا مريض ومستقبل الغناء معك".
أما اللحظة الأكثر صدقاً وتأثيراً في هذه الحكاية، فقد رواها شاكر بنفسه؛ حين تردّد في الصعود إلى المسرح عند حضور عبد الحليم أحد حفلاته، تحت وطأة ما نُشر في الصحف. ثم قرر لقاءه في الكواليس وقال له: "لو لم أسمع صوتك وأحب أغانيك، لما عرفت الغناء. كيف يُعقل أن يُحاربك الموجي بي؟ أنت هرم رابع". عندها احتضنه عبد الحليم وقبّله، مؤكداً إدراكه التام لحجم المبالغات الصحافية.
وفي لقاء تلفزيوني قديم، سُئل عبد الحليم عن رأيه في هاني شاكر وما يتوقعه له، فأجاب بوضوح: "هاني شاكر كويس وأتوقع له النجاح، وإحنا في حاجة أن الناس تنجح وتظهر وتبقى موجودة في حياتنا الفنية ويبقى لها أثر كبير".
مسيرة رسخت الأمير
أثبت هاني شاكر بمسيرته أن ما قاله عبد الحليم كان تنبؤاً دقيقاً. قدّم على مدار عقود أكثر من 600 أغنية، وأصدر 29 ألبوماً غنائياً تضمنت أعمالاً راسخة، من بينها "من غير ليه" و"كده برضه يا قمر" و"بعدك ماليش" و"أحلى الليالي".
وإلى جانب الغناء، خاض تجارب تمثيلية في السينما والمسرح، وتولّى منصب نقيب الموسيقيين المصريين عام 2015، وحصل على أوسمة رفيعة من بينها وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى من تونس، ووسام القدس من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
شعلة انتقلت بهدوء
رحل هاني شاكر في باريس بعد صراع مع المرض، تاركاً خلفه إرثاً فنياً حقيقياً، وحكايةً مع عبد الحليم ظلّت أطول مما تستحق نظراً لما شابها من تشويه. فما بين العندليب الأسمر وأمير الغناء العربي، لم يكن ثمة صراع بقدر ما كانت علاقة جيلين؛ أحدهما أرسى قواعد الأغنية العربية الرومانسية، والآخر حمل تلك القواعد وأضاف إليها من روحه، في انتقال هادئ للشعلة لم يحتج إلى ضجيج.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ليالينا ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ليالينا ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
