كتبت إسراء بدر الإثنين، 04 مايو 2026 08:00 م منذ اللحظة الأولى لتأسيسها على يد حسن البنا، لم تتعامل جماعة الإخوان الإرهابية مع الإعلام باعتباره أداة ثانوية، بل اعتبرته سلاحًا موازيًا للعمل التنظيمي، لا يقل أهمية عن الحشد أو التجنيد، فالتنظيم الذي سعى مبكرًا إلى التغلغل داخل المجتمع، أدرك أن السيطرة على العقول تبدأ من السيطرة على الرسائل، وأن صياغة الرواية تمثل نصف المعركة، وهو ما انعكس بوضوح في مسار طويل من توظيف الإعلام، تطور عبر العقود حتى وصل اليوم إلى أشكال أكثر حداثة مثل المنصات الرقمية والبودكاست، وفي مقدمتها منصة "ميدان" الإخوانية. البدايات: صحافة دعوية بغطاء تنظيمي وفي أربعينيات القرن الماضي، بدأت الجماعة في إصدار عدد من الصحف والمجلات التي حملت أفكارها إلى الشارع، مثل "الشهاب" و"النذير" و"الإخوان المسلمون" و"الدعوة"، وهذه الإصدارات لم تكن مجرد أدوات نشر، بل كانت جزءًا من بنية تنظيمية متكاملة، خضعت لإشراف مباشر من قيادات الجماعة، وشارك في تحريرها عدد من الأسماء البارزة مثل سيد قطب ومحمد الغزالي. واعتمدت هذه المرحلة على دمج الخطاب الديني بالرسائل السياسية، بهدف التأثير على قطاعات واسعة من المجتمع، وتقديم الجماعة في صورة “الإصلاح الديني” الذي يحمل مشروعًا مجتمعيًا، بينما كانت الرسائل الأعمق تُبنى بعناية لخدمة أهداف التنظيم. الإعلام الموازي: العمل في الظل وتغيير الواجهة لم تكتفِ الجماعة بالإعلام العلني، بل اتجهت مبكرًا إلى إنشاء منصات غير معلنة تُدار بشكل غير مباشر، لتوجيه خطاب أكثر حدة دون تحمل التكلفة السياسية. ومن أبرز هذه التجارب ما عُرف بـ“الكشكول الجديد”، الذي صدر دون الإعلان عن ارتباطه بالجماعة، في محاولة لاستخدام وسيلة إعلامية تبدو مستقلة لتنفيذ هجوم سياسي مباشر. هذا النموذج كشف عن استراتيجية مزدوجة تتمثل في وجه علني ناعم يروج للدعوة، ووجه خفي أكثر صدامية، يستخدم لتصفية الخصوم والتأثير على الرأي العام دون ربط مباشر بالتنظيم. مجلة الدعوة الاخوانية من الورق إلى الشاشة: القنوات الفضائية وصناعة المظلومية ومع تطور وسائل الإعلام، انتقلت الجماعة الإرهابية إلى مرحلة جديدة، تمثلت في إطلاق قنوات فضائية خارج مصر، وهذه القنوات اعتمدت على خطاب موحد يقوم على فكرة المظلومية، مع التركيز على بث محتوى يستهدف إثارة المشاعر، واستخدام مقاطع مجتزأة أو روايات أحادية لتوجيه الجمهور. في هذه المرحلة، لم يعد الإعلام مجرد وسيلة نشر، بل تحول إلى أداة تعبئة وتحريض، تستخدم بشكل يومي لإعادة إنتاج نفس الرسائل، وبناء حالة مستمرة من الاستقطاب. الإعلام الرقمي: السوشيال ميديا والبودكاست كأدوات جديدة ومع صعود المنصات الرقمية، دخلت الجماعة الإرهابية مرحلة أكثر تطورًا، حيث لم تعد بحاجة إلى قنوات تقليدية فقط، بل أصبحت تعتمد على شبكات واسعة من الصفحات والحسابات، إضافة إلى إنتاج محتوى عبر البودكاست والفيديوهات القصيرة، التي تستهدف فئة الشباب بشكل مباشر. وهذا التحول سمح بمرونة أكبر في الخطاب، حيث يمكن تمرير رسائل متعددة بأشكال مختلفة، من التحليل السياسي إلى القصص الإنسانية، مع الحفاظ على نفس الفكرة الأساسية وهي التأثير على الوعي وتوجيهه. ميدان: واجهة حديثة لنفس المنهج في هذا السياق، تظهر منصة "ميدان" الإخوانية كامتداد طبيعي لهذا التطور، حيث تقدم نفسها كمنصة إعلامية شبابية، لكنها في الواقع تعيد إنتاج نفس الأدوات القديمة بثوب جديد، فالخطاب المستخدم يعتمد على السرديات العاطفية، وإعادة تدوير فكرة الضحية، مع توظيف تقنيات حديثة في الإنتاج والترويج. كما أن اعتماد "ميدان" الإخوانية على أشكال مثل البودكاست يعكس فهمًا لطبيعة الجمهور الجديد، الذي يفضل المحتوى السريع والمرن، وهو ما تستغله المنصة لتمرير رسائلها بشكل أقل مباشرة وأكثر تأثيرًا. كوادر مدربة ورسائل محسوبة لم يكن هذا التطور عشوائيًا، بل جاء نتيجة استثمار طويل في إعداد كوادر إعلامية قادرة على صياغة الرسائل بشكل احترافي، فالجماعة حرصت على تدريب عناصرها على استخدام الأدوات الإعلامية الحديثة، وإنتاج محتوى قادر على المنافسة، سواء من حيث الشكل أو المضمون، وهذا ما يفسر قدرة المنصات المرتبطة بها على التكيف مع كل مرحلة، من الصحافة الورقية إلى الفضائيات، وصولًا إلى الإعلام الرقمي. وفي هذا السياق، قال طارق البشبيشي الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، إن جماعة الإخوان الإرهابية أدركت منذ تأسيسها على يد حسن البنا أن المعركة الحقيقية ليست فقط على الأرض، بل على الوعي والعقول، ولذلك تعاملت مع الإعلام باعتباره أحد أخطر أدواتها الاستراتيجية، وليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو التعبير عن الرأي. وأوضح "البشبيشي" أن الجماعة بدأت مبكرًا في بناء منظومة إعلامية متكاملة، من خلال الصحف والمجلات التي أصدرتها في الأربعينيات، ثم طورت هذا المسار عبر القنوات الفضائية والمنصات الرقمية، وصولًا إلى أشكال أكثر حداثة مثل البودكاست، مشيرًا إلى أن ما يُطرح اليوم عبر منصات مثل "ميدان" ليس إلا امتدادًا طبيعيًا لهذا النهج القديم ولكن بأدوات أكثر تطورًا تستهدف فئة الشباب بشكل مباشر. وأضاف أن أخطر ما يميز الإعلام الإرهابي هو قدرته على إعادة إنتاج نفس الرسائل بأشكال مختلفة، مع توظيف التكنولوجيا الحديثة لصناعة محتوى يبدو مهنيًا ومحايدًا، بينما يحمل في جوهره خطابًا موجّهًا قائمًا على انتقاء المعلومات وإعادة صياغتها بما يخدم أهداف التنظيم، مؤكدًا أن هذه الاستراتيجية ساعدت الجماعة على الاستمرار في التأثير رغم الضربات التي تعرضت لها. وأشار إلى أن الانتقال من الصحافة الورقية إلى البودكاست ومنصات السوشيال ميديا يعكس مرونة التنظيم وقدرته على التكيف مع كل مرحلة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الهدف لم يتغير، وهو توجيه الرأي العام وبناء سردية تخدم مصالح الجماعة، معتبرًا أن منصة "ميدان" تمثل نموذجًا واضحًا لهذا التطور في الشكل مع ثبات المضمون.