تابع قناة عكاظ على الواتساب عوّلتْ أمم على التعليم، لتحقيق التنمية، ورفع مستويات الوعي المجتمعي، ونجحت بالتعليم في تأصيل وتحصين وحدتها الوطنية؛ إلا أنه ليس بالضرورة أن يكون التعليمُ دائماً طريقاً نحو المستقبل، فأحياناً يغدو سالباً ويكتفي بالفُرجة على المتشبثين بعُقد الماضي، خصوصاً إن كان التعليم مُوجّها؛ وكانت الأنساق الماقبل تعليمية (أسرة وعائلة وطائفة وقبيلة) تُغذيه بقيمها المُحتدّة والمثيرة للنعرات التنافسية، والمنافسة العاطفية مدعاة للتعنصر. ولكي لا يحتدّ القارئ الكريم على المقدمة، أرجو أن يُجيب على السؤال التالي (أيّ المؤثرات تفعلُ فعلها في الفرد والمجتمع وبقوّة، وهل التعليم مؤثّر أوّلي على العاطفة والسلوك والأخلاق)؟ قبل الإجابة؛ يستحسن التذكير؛ أن من أدبياتنا الشعبية (المجالس مدارس) والمجالس أداة توجيه وتأثير في النشء ؛ بل ربما كانت المحضن الأقوى والأشرس في غرس القِيَم والمبادئ، ولو استعدنا المثل (تنقل ضِلع ولا تغيّر طبع) فالطبع ليس كله من الفطرة؛ بل من قابليتنا للتطويع على يد المحاضن الأولى. بالطبع؛ ومن المنطقي أن نلتمس العذر، لأدبيات القبائل، في زمن ما قبل الدولة، باعتبار أن كلاً يجد في قبيلته الحميّة والنصرة والعزوة؛ إلا أن زمن الدولة احتوى الجميع، وتكفّل بالأمن؛ والتنمية، وردّ المظالم، وكبح الفساد، وإرساء العدل، وكفلت بأنظمتها حقوق المواطنين، ولم تلغِ القبيلة احتراماً لتاريخها المُشرّف، إذ لم تتخلّف قبيلة عن الإسهام في مشروع وحدتنا العظيم. ولربما لم تتشكّلْ مؤسسات المجتمع المدني مُبكّراً، لكي ينتقل المواطن بقدراته ومواهبه ومهنته وحرفته واهتماماته إليها بسلاسة، ولذا خشي البعض إن خرج من القبيلة، فقدان المكوّن الاجتماعي الأوّلي والذي يرى أنه لا يستغني عنه، وفي بلدان عدة، اشتغل مفكروها منذ التأسيس على (المواطنة) التي هي علاقة بين أفراد ودولة، (مواطن وكيان سياسي) وفق علاقة محكومة بحقوق وواجبات، يحددها النظام؛ وشعار المواطنة، ودثارها (الالتزام) المتمثّل في انتماء وولاء وعطاء. للطائفيّة عاطفة تدينيّة جيّاشة، مبعثها صحة مذهب؛ وسلامة معتقد؛ وزكاء أخلاق؛ وسمو مبادئ؛ وربما يوقع المذهب المتعصّب في استنقاص الآخرين؛ ممن هم مذاهب شتّى أو طوائف تترا، كما أنّ للقبليّة محفّزات، تدفع للتباهي والفخر والمجاراة والتفوّق؛ ولذلك محاذير ومخاطر كونها مظنة الوقوع في التعنصر والعصبية والازدراء، وإثارة نعرات فتن؛ وإذا كنا نعوّل على التعليم في تخريج مواطنين أسوياء؛ فإن العنصرية بالطائفة والقبيلة والتمييز، يتنافى مع الوطنية؛ وكل ذلك يُلغي وظيفة التعليم، أو يعطّل رسالته؛ فيصبح وسيلة للشهادة والوظيفة، دون تأثير نوعي في بنيات الذهنيات المجتمعية؛ وعلاقاتها العقائدية المُعقّدة. ومن البدهيات أن لأي إشكالية؛ زمامين؛ الأول؛ نقص في جانب يتمثّل توفير معالجات مبكرة؛ والثاني؛ زيادة ضخ تعبوي يضخّم القبيلة والطائفة أمام قامة الوطن؛ حد أن يجعل منها البعض كياناً موازياً للدولة، إن لم يكن يراها أضخم وأهمّ، وهذا من عمى البصيرة، وجحود النعمة، وعدم تقدير فضل الله علينا حقّ قدره. ولعل من السهل استدراك قصور المؤسسات المعنيّة، بحفظ هويّة الانتماء للمواطن باعتباره جزءاً من هذا الكيان متمثلة في تفعيل نقابات وجمعيات ومنظمات وهيئات تبدأ منذ مراحل الدراسة الابتدائية عبر عضويات، فيتأسس الوعي المبكّر بالوطن، وتتنامى العلاقة بالاندماج في مؤسساته المدنية (الأهليّة) ما يعزّز دور الفرد والمجتمع في وطنهم، بالعمل والبناء والتنمية والحُبّ. تلويحة؛ لا يتعامل نظامُ دولتنا مع المواطنين؛ باعتبار قبائلهم ولا عشائرهم ولا مذاهبهم ولا طوائفهم ولا مناطقهم؛ فلماذا نتمسك بالذي هو أدنى وندع الذي هو خير؟!.