لا يمكن النظر إلى مسودة الاتفاق التي سربها موقع (أكسيوس) بوصفها نصاً نهائياً، بل هي في جوهرها خارطة طريق أمريكية لاختبار سقف التفاوض مع طهران في لحظة حرجة. إن الكشف عن بنود تقنية معقدة، مثل تجميد التخصيب لمدة 12 عاماً، في توقيت يشهد توتراً ملاحياً عالي الحساسية في مضيق هرمز، يثير تساؤلاً جوهرياً: هل تهدف هذه التسريبات إلى إنضاج تسوية حقيقية تبدأ بـ30 يوماً من المفاوضات المعمقة كما تروج المسودة؟ أم أنها بالون اختبار لرمي الكرة في الملعب الإيراني وتبرئة ساحة واشنطن من تعثر المسار الدبلوماسي؟ إن الرد الإيراني السريع على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الذي وصف البنود بـ«قائمة أمنيات» يؤكد أننا أمام اشتباك دبلوماسي يستخدم المسودات المسربة كأدوات للضغط المتبادل قبل الجلوس الفعلي على طاولة القرار. آليات الصفقة و«البند المرن» تعتمد المسودة المطروحة في جوهرها على آليات إجرائية تهدف إلى خلق «منطقة عازلة» زمنية تضمن استقرار الممرات المائية وسوق الطاقة العالمي، وتبرز في هذا السياق «مدة الـ12 عاماً» كإطار زمني مقترح لتثبيت واقع نووي جديد، لكن العقدة تكمن في «البند المرن» الذي أضافته واشنطن، والذي يتيح زيادة مدة وقف التخصيب في حال رصد أي تجاوزات. بمعنى أن هذا البند يعمل كآلية زناد تقنية تمنح المفتشين الدوليين صلاحيات الوصول الفوري للمنشآت تحت طائلة العودة التلقائية للعقوبات دون الحاجة لتصويت جديد، وبموجب هذا الربط، يصبح رفع الحصار الاقتصادي مرهوناً بجداول زمنية صارمة لإخراج اليورانيوم عالي التخصيب، ونقله المحتمل إلى طرف ثالث كضمانة تنفيذ ملموسة، وهو ما ترفضه طهران وتعتبره نزعاً للسيادة التقنية تحت ستار التفتيش. هل الاتفاق حاجة ملاحية؟ بموازاة التعقيدات الفنية للملف النووي، يمثل تأمين الممرات المائية الدافع الأساسي للاستعجال في طرح هذه المسودة، فالتسريبات التي تتحدث عن «إعلان إنهاء الحرب» تعكس رغبة دولية جامحة في تحويل الممرات المائية من ساحات اشتباك إلى طرق تجارية آمنة ومستقرة، وسحب «مشروع الحرية» الأمريكي يمثل التنازل الميداني المقابل للمطالب التقنية، مما يجعل من المسودة محاولة لهندسة «هدنة اقتصادية» طويلة الأمد تضمن تدفق الطاقة مقابل تجميد الطموح النووي. أما البند الذي يتعلق بضمان حرية الحركة في هرمز فهو ركيزة إدارية تتيح للدول الإقليمية والشركات العالمية وضع خطط تشغيلية طويلة الأمد بعيداً عن مخاطر المصادرة أو الاستهداف الميداني. لذا، فإن المسودة في جوهرها هي محاولة لخصخصة الأمن الملاحي وجعله جزءاً من الاتفاق النووي، وهو ما يمنح المفاوضات طابعاً «عملياتياً» يتجاوز الغرف المغلقة ليصل إلى أرصفة الموانئ العالمية. البحث عن ضامن إن دخول أطراف مثل الصين وباكستان في سياق هذه التسوية، عبر مسار «إسلام آباد 2»، يعطي المسودة طابعاً يتجاوز الرغبة الأمريكية المنفردة، فالصين تبحث عن استقرار الضرورة لحماية مسار الحرير، وهذا يجعل من التسريبات الأمريكية محاولة لاستقطاب بكين كضامن للجانب الإيراني في تنفيذ الالتزامات التقنية. وبذلك، تصبح المسودة عملية تقاطع مصالح دولي يسعى لإنهاء حالة عدم اليقين في الممرات المائية، حيث تنظر إدارة الموانئ العالمية إلى بكين كطرف قادر على تحويل التهدئة المؤقتة إلى بروتوكول تشغيلي مستدام، يراقب آليات التنفيذ دون الحساسية التي يثيرها الوجود العسكري الأمريكي المباشر في المنطقة. فهل نحن أمام مسودة واقعية تملك مقومات التنفيذ، أم مجرد مناورة إعلامية صُممت لتقاسم الوقت الضائع؟ إن تهديد ترمب بالانتقال من مشروع الحرية إلى الحصار الفعال يطرح تساؤلاً أكثر عمقاً من تفاصيل التخصيب: هل يمكن لممرات الملاحة في هرمز أن تحتمل رهانات الورق المسرب بينما تظل الميدان الأول لترجمة أي فشل دبلوماسي؟ وإذا كانت المُهل الزمنية المتداولة لا تزال حبيسة التكهنات، فمن يضمن ألا تتحول الضمانات المؤقتة إلى مناورة لاستدراج الأطراف نحو مواجهة بكثافة غير مسبوقة؟