تم النشر في: 08 مايو 2026, 9:56 صباحاً المتابع للمشهد السياسي لايمكنه التغاضي عن أسئلةً تطرح نفسها بلا اسئذان، مثل: _ ما الذي يمنع إسرائيل هذه الأيام من احتلال أجزاء واسعة من سوريا ولبنان وبعض الدول الهشة حولها ؟ فالواقع يبدو مهيأً لمبدأ "التوسع المستمر" الذي تتبناه اسرائيل منذ تأسيسها. ميزان القوى العسكرية يميل هذه الأيام لصالحها بشكل ساحق، وحالة "الوهن" والفرقة التي تعيشها الأمة العربية لم يسبق لهما مثيل. سوريا، بعد عقود طويلة من نظام الأسد الفاسد، لم تعد تملك جيشا يعوَّل عليه في الحروب الكبرى، أما الجيش اللبناني فلم ينجح يوماً في ضبط ساحته الداخلية، ناهيك عن نجاحه في نزع سلاح "حزب الله"... السر لا يكمن في قدرة إسرائيل العسكرية، بل في عدد سكانها المحدود .. في قلة مخزونها البشري الذي يقف حجر عثرة أمام المزيد من التوسع والاحتلال.. فإسرائيل فشلت طوال السبعين عاما الماضية في السيطرة على بقعة جغرافية صغيرة كغزة والضفة الغربية.. ماتزال عاجزة عن إخضاع وترحيل عدد محدود من الفلسطينيين العزل رغم الدعم الغربي والأمريكي لها.. عدد سكانها المحدود (الذي لايتجاوز بأكمله سكان الرياض) يجعلها عاجزة عن تحقيق هذا الهدف الابتدائي، فكيف لها أن تتحول إلى "إمبراطورية" كهدف نهائي؟ حلم "إسرائيل الكبرى" الذي يراود غلاة المتطرفين، والمستند إلى نصوص توراتية قديمة (وردت في سفر التكوين 15:18) يظل في نظري مجرد حلم يصعب تطبيقه على أرض الواقع.. يصعب تطبيقه، لصعوبة التحكم بالمساحة الجغرافية الهائلة التي يُفترض أن تنشأ عليها دولة "اسرائيل الكبرى".. يصعب تطبيقه لصعوبة اخضاع او ترحيل الكتلة البشرية الضخمة المغايرة لاسرائيل دينيا وثقافيا والتي تعيش بين الفرات والنيل.. فحلم "اسرائيل الكبرى" يتطلب إخضاع 160 مليون إنسان موزعين على ست دول عربية (مصر، الأردن، سوريا، لبنان، العراق، وشمال السعودية). وهذا "المحيط البشري" لا يمكن استيعابه أو إخضاعه بجيش مكون من 170 الف جندي اسرائيلي فقط _ ولا حتى مليون جندي اذا اضفنا قوات الاحتياط والمرتزقة الدوليين... صحيح أن إسرائيل هي اليوم صاحبة السلاح الأقوى في المنطقة، ولكن الاحتلال ليس مجرد معركة عسكرية خاطفة، أو صواريخ يتم توجيهها عن بعد، بل سيطرة إدارية وأمنية مستمرة على مدن وبشر ومساحة هائلة من "الأرضي" .. مساحة الأراضي التي يجب على "إسرائيل الكبرى" اخضاعها تفوق بعشرات الأضعاف مساحتها الحالية (ناهيك عن مساحة غزة والضفة التي ماتزال تعاني من السيطرة عليها). وتجاهل هذه الحقيقة، لا يعني فقط استنزافاً تاماً للموارد البشرية والمالية الإسرائيلية، بل وانتحارا عسكريا وسياسيا سيلغي وجودها تماما. التجارب التاريخية تؤكد أن القوة العسكرية لا يمكنها السيطرة لفترة طويلة على المجاميع البشرية الكبيرة.. فحتى حين تنجح في ذلك، يكون نجاحها مؤقتا وباهظ الثمن وبجراح تبقى لزمن طويل. فبسبب الجراح والثمن الباهظ خرجت امريكا من فيتنام والعراق وافغانستان.. وبسبب المساحة الشاسعة انهزمت جيوش نابليون وهتلر حين حاولت احتلال روسيا.. وبسبب صعوبة السيطرة على الكُتل البشرية الضخمة، خرجت 26 امبراطورية من مصر بعد احتلالها (دون حرب) كان اخرها الاستعمار البريطاني.. تجربة إسرائيل نفسها أثبتت صعوبة احتفاظها بسيناء، فأعادتها لمصر دون حرب (رغم أن سيناء جزء من أرض إسرائيل الكبرى).. كما سبق أن اعادت غزة للفسطينيين (بعد اتفاقية أوسلو) بسبب ضغوط داخلية قادتها أمهات الجنود تحت شعار "أخرجوا أبناءنا من عش الدبابير" ... من يقرأ التاريخ جيدا يدرك أن الدول التوسعية تسقط حين تمددت أكثر من طاقتها البشرية (وهو ما يدعى في العلوم السياسية بالإفراط الإمبراطوري).. أما من يكتفون بقراءة الكتب الدينية فيعتقدون أنهم استثناء من هذه القاعدة، وأن "شعب الله المختار" سيتلقى المدد من الله في الوقت المناسب... الحقيقة التي أراها، هي أن إسرائيل ستظل في أفضل حالاتها مجرد "ثكنة عسكرية" يصعب اختراقها.. قلعة يصعب اقتحامها، ولكن يصعب عليها (هي) التمدد خارج اسوارها بسبب طاقتها البشرية المحدودة. تدرك أن بقاءها ككيان شاذ، يعتمد على تركيز قوتها (البشرية والعسكرية والاقتصادية) في منطقة صغيرة وليس "تشتيتها" على مساحة كبيرة.. وهذا يعني أن حلم "إسرائيل الكبرى" سيظل حبيس الكتب التوراتية والنبؤات القديمة.. أما "إسرائيل الصغرى" فستظل موجودة حتى يتغلب فيها صوت النبوءة والخرافة على صوت العقل والسياسة.. وحينها فقط ستبدأ رحلة الانهيار والاختفاء كما حصل مع 20 امبراطورية سبق وأن استعمرت بيت المقدس واراضي فلسطين...