في قراءة تحليلية لأبرز تطورات المشهد الاقتصادي، أكدت د. عيشة مصطفى سيد حسن، الباحثة في العلوم السياسية والاستراتيجية، أن الاقتصاد المصري يشهد مرحلة دقيقة تتداخل فيها التحديات التمويلية مع فرص نمو واعدة على المستويين المحلي والدولي.وأوضحت أن توجه الدولة نحو موازنة ضخمة تتجاوز 4 تريليونات جنيه خلال العام المالي 2026/2027 يعكس حجم الالتزامات المتزايدة، خاصة فيما يتعلق بخدمة الدين، مشيرة إلى أن التوسع في أدوات الدين، سواء المحلية أو الأجنبية، يمثل محاولة لإدارة السيولة بشكل أكثر مرونة، رغم ما يفرضه ذلك من ضغوط إضافية. وفي قطاع الطاقة، لفتت إلى أن الاستعداد لطرح مناقصة بقيمة 12 مليار جنيه لربط طاقة الرياح في خليج السويس بالشبكة القومية، يعكس تسارع خطوات التحول نحو الطاقة النظيفة، مؤكدة أن هذا التوجه يعزز موقع مصر كمركز إقليمي للطاقة المتجددة. وأضافت أن تحركات “العربية للتصنيع” لتنفيذ مشروعات طاقة شمسية في إريتريا تمثل بعدًا استراتيجيًا مهمًا، حيث تسهم في تصدير الخبرات المصرية وتعزيز النفوذ الاقتصادي في القارة الإفريقية. وفيما يتعلق بالقطاع المصرفي، أشارت إلى أن طرح منتجات ادخارية دولارية بعوائد مرنة يعكس استجابة مباشرة للطلب المتزايد على العملة الأجنبية، ويهدف إلى إدارة السيولة الدولارية بكفاءة وتقليل تكلفة الأموال. كما أكدت أن اهتمام الشركات الأجنبية، وعلى رأسها شركة صينية تدرس إنشاء مجمع ضخم لإطارات السيارات باستثمارات تصل إلى 2 مليار دولار، يعكس تحسن جاذبية السوق المصري للاستثمارات الصناعية، خاصة في ظل نظام المناطق الحرة.وفي سياق متصل، أوضحت أن بدء الفحص النافي للجهالة للاستحواذ على شركة EIH من قبل “كاتليست بارتنرز” يشير إلى نشاط متزايد في سوق الاستحواذات، بما يعزز من حيوية القطاع المالي. وأشارت د. عيشة إلى أن تعيين قيادات جديدة في ملف الاستثمار، من بينها محمد عوض رئيسًا تنفيذيًا للهيئة العامة للاستثمار، يعكس توجهًا حكوميًا واضحًا لإعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية وتحسين بيئة الأعمال. وعلى صعيد التجارة الدولية، أوضحت أن التوترات الجيوسياسية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، بدأت تلقي بظلالها على حركة الصادرات، بما في ذلك صادرات البرتقال المصري، في ظل تغيرات في تدفقات التجارة العالمية.وفيما يخص سوق العمل، أكدت أن تراجع معدل البطالة إلى 6.3% خلال 2025 يمثل مؤشرًا إيجابيًا، رغم استمرار التحديات الاقتصادية، خاصة مع زيادة عدد المشتغلين إلى أكثر من 34 مليون فرد. كما لفتت إلى أن دخول مصر قائمة الدول المصدرة لمنتجات الاستزراع السمكي إلى الاتحاد الأوروبي يمثل إنجازًا مهمًا يفتح آفاقًا جديدة للصادرات الغذائية.وفي قطاع الطاقة التقليدية، أشارت إلى أن خطط استيراد النفط خلال شهري مايو ويونيو تعكس استعدادًا مبكرًا لتلبية احتياجات الصيف وتفادي أي أزمات محتملة. وعالميًا، أوضحت أن تثبيت أسعار الفائدة الأمريكية يعكس استقرارًا نسبيًا في الاقتصاد العالمي، لكنه يفرض في الوقت ذاته تحديات على الأسواق الناشئة، من بينها مصر، خاصة فيما يتعلق بتدفقات رؤوس الأموال. كما أشارت إلى تراجع أسعار الذهب مؤقتًا، رغم استمرار الاتجاه الصعودي مدفوعًا بالطلب العالمي، في حين أن تراجع واردات الصين من الغاز قد يؤثر على توازنات سوق الطاقة عالميًا.وتطرقت إلى الجدل الدائر حول سياسات الإنتاج النفطي، مؤكدة أن أي تغير في توازنات “أوبك+” قد تكون له تداعيات مباشرة على أسعار النفط العالمية. وفيما يتعلق بالسوق المحلية، أكدت أن ارتفاع البورصة المصرية بدعم من المؤسسات المحلية يعكس ثقة نسبية في الاقتصاد، رغم استمرار الضغوط، وعلى رأسها ارتفاع سعر الدولار وزيادة تكلفة الاقتراض. وأضافت أن خفض توقعات نمو الاقتصاد المصري إلى 4.7% يعكس تباطؤًا مؤقتًا، لكنه لا يلغي النظرة الإيجابية على المدى الطويل في ظل استمرار برنامج الإصلاح الاقتصادي. كما أشارت إلى توجه الحكومة لدعم صادرات السيارات، بما في ذلك دراسة إدخال السيارات الهجينة ضمن الحوافز، وهو ما يعزز تنافسية القطاع الصناعي.وفي قطاع الطيران، أكدت أن خطة “مصر للطيران” للتوسع الدولي تمثل خطوة مهمة لدعم السياحة وزيادة الإيرادات من النقد الأجنبي. واختتمت د. عيشة مصطفى تحليلها بالتأكيد أن الاقتصاد المصري يتحرك في مسار معقد، يجمع بين الضغوط قصيرة الأجل والفرص الاستراتيجية طويلة المدى، مشددة على أن نجاح المرحلة المقبلة يعتمد على كفاءة إدارة الدين، واستمرار جذب الاستثمارات، وتعزيز الإنتاج المحلي في مواجهة التحديات العالمية.