مع كل صيف، كانت أزمة انقطاع التيار الكهربائي تعود لتفرض نفسها بقوة مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الاستهلاك، لكن صيف 2026 يحمل ملامح مختلفة تمامًا، في ظل تحركات استراتيجية تقودها الدولة لإحداث نقلة نوعية في قطاع الكهرباء، عبر التوسع الكبير في مشروعات الطاقة المتجددة، بما يعزز الاستقرار ويؤسس لمرحلة أكثر استدامة. تشهد منظومة الكهرباء في مصر تحولًا جذريًا خلال العام الجاري، مدعومًا بخطة طموحة تهدف إلى زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، كبدائل فعالة لمصادر الطاقة التقليدية. وتعمل الدولة على إدخال قدرات إنتاجية جديدة تُقدر بنحو 2500 ميجاوات من الكهرباء النظيفة، يتم ربطها بالشبكة القومية، بهدف مواجهة الطلب المتزايد، خاصة خلال أوقات الذروة في فصل الصيف، التي تشهد ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات الاستهلاك. ومن شأن هذه الإضافات أن تخفف الضغط على الشبكة الكهربائية، في ظل الاعتماد المتزايد على أجهزة التبريد والأنشطة الصناعية، مما يقلل من احتمالات اللجوء إلى تخفيف الأحمال أو حدوث انقطاعات مفاجئة. ولا تتوقف فوائد الطاقة المتجددة عند زيادة الإنتاج فقط، بل تمتد لتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي والوقود الأحفوري، وهو ما يحقق وفورات اقتصادية كبيرة، ويدعم توجه الدولة نحو الاستدامة والحفاظ على الموارد. وفي هذا الإطار، تبرز تقنيات تخزين الطاقة كأحد أهم عناصر دعم استقرار الشبكة، حيث تتيح أنظمة البطاريات الحديثة تخزين الفائض من الكهرباء المنتجة خلال النهار، لاستخدامه خلال فترات الذروة أو في ساعات الليل، بما يضمن استمرارية الإمدادات بكفاءة عالية. كما تلعب طاقة الرياح دورًا تكميليًا مهمًا، بفضل اختلاف أوقات تشغيلها مقارنة بالطاقة الشمسية، الأمر الذي يعزز تنوع مصادر الطاقة ويمنح الشبكة مرونة أكبر في مواجهة التقلبات. وتأتي هذه الجهود ضمن استراتيجية وطنية شاملة تستهدف رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى نحو 42% من إجمالي إنتاج الكهرباء بحلول عام 2030، في إطار التحول نحو الاقتصاد الأخضر وتقليل الانبعاثات الكربونية. ويعكس هذا التوجه رؤية متكاملة لإعادة هيكلة قطاع الطاقة في مصر، ليصبح أكثر تنوعًا وكفاءة وأمانًا، وأقل عرضة للأزمات الموسمية، مع تعزيز قدرته على تلبية الطلب المتزايد دون التأثير على استقرار الخدمة. وبذلك، يمثل صيف 2026 نقطة تحول حقيقية في مسار قطاع الكهرباء، حيث لا يقتصر التغيير على تجاوز الأزمات، بل يمتد إلى بناء منظومة طاقة حديثة تعتمد على مصادر نظيفة، تضمن استدامة الإمدادات وتدعم خطط التنمية الشاملة.