تابع قناة عكاظ على الواتساب الناس معاليف لا مواليف، مثلٌ شعبي يبدو في ظاهره عبارة عابرة تتناقلها المجالس على سبيل التندر أو الحكمة المختصرة، غير أن من عاش التجربة وعاشر بالناس في ميادين الحياة المختلفة يدرك أن هذه الجملة الصغيرة تحمل من المعاني ما لا تحمله صفحات طويلة من الشرح والتنظير، فهي ليست وصفًا عابرًا لعلاقة اجتماعية محدودة، وإنما قراءة دقيقة لطبيعة بشرية تتكرر في الوظيفة، وفي التجارة، وفي المجالس العامة، وفي الوسط الثقافي، وفي العلاقات اليومية التي يظن الإنسان في بدايتها أنها قائمة على الصفاء والمحبة، ثم يكتشف بعد مرور الوقت أن كثيرًا منها لم يكن سوى عقود غير مكتوبة تحكمها المصالح، وتتحرك وفق مقدار ما يستطيع كل طرف أن يقدمه للطرف الآخر من منفعة مباشرة أو غير مباشرة، حتى يصبح الود عند بعض الناس مجرد شكل خارجي جميل يخفي وراءه حسابات أكثر برودة من كل عبارات المودة الظاهرة. حين يدخل الإنسان بيئة العمل وهو يحمل نية صافية في أداء واجبه، يظن أن العلاقات المهنية تُبنى على الكفاءة والاحترام والإنجاز، ثم يبدأ مع الأيام في رؤية مشهد آخر أكثر تعقيدًا، فيجد من يقترب من المدير لا لعلمه ولا لخبرته ولا لإيمانه بقيادته، وإنما لقناعته بأن القرب من صاحب القرار طريق مختصر نحو امتيازات يتعذر نيلها من خلال المسارات النظامية المعتادة، فتتحول المجاملة إلى وسيلة عمل يومية، ويصبح الثناء المبالغ فيه مهارة يتقنها البعض أكثر من إتقانهم لواجباتهم الأساسية، ويُمارس الصمت في مواضع تستوجب الصراحة، ويُمنح التصفيق في مواقف تحتاج إلى نقد مسؤول، وتُبنى مساحات النفوذ الشخصي على حساب العدالة المهنية، فيصبح المنصب هو المحور الذي تدور حوله المصالح الحقيقية، لا شخصية المسؤول ولا كفاءته ولا تاريخه، وحين تتغير المواقع الإدارية أو ينتقل ذلك المدير من مكانه تتكشف الحقائق دفعة واحدة، فينصرف الذين كانوا يملؤون المكان حضورًا، وكأن شيئًا لم يكن، وكأن الوجوه التي كانت تبتسم كل صباح لم تعرف هذا الرجل يومًا. المسؤول نفسه قد يقع في وهم هذه الكثرة، فيظن أن ازدحام الأبواب حوله علامة محبة خالصة، وأن كثرة المترددين على مجلسه دليل على مكانة راسخة في نفوس الناس، وأن كل ذلك الزحام الاجتماعي شهادة حقيقية على حضوره الإنساني، غير أن الأيام وحدها تملك سلطة التصحيح، فما إن يغادر الكرسي حتى يبدأ الصمت في أداء مهمته القاسية، فتقل الاتصالات، وتختفي الزيارات، وتتراجع عبارات الإعجاب التي كانت تتكرر بلا مناسبة، ويكتشف الإنسان متأخرًا أن كثيرًا من الاحتفاء لم يكن موجّهًا إليه بوصفه إنسانًا، وإنما إلى ما كان يملكه من قدرة على التوقيع، وما كان بيده من مفاتيح تمنح وتمنع وتفتح وتغلق، وفي تلك اللحظة تحديدًا يفهم معنى المثل الشعبي على صورته الحقيقية، ويدرك أن بعض العلاقات لا تعيش خارج ظل السلطة. وفي دائرة المال تتسع المسألة بصورة أكثر وضوحًا، فالثري لا يُعامل في كثير من المجالس على قدر علمه أو أخلاقه أو عمق تجربته، وإنما على قدر ما يملكه من قدرة على التأثير المادي، فتتحول ضحكته إلى حدث يستحق المشاركة، ويُستقبل رأيه بوصفه حكمة لا تقبل الجدل، ويُحاط بصمت من الاحترام المصطنع حتى لو كان حديثه خاليًا من المعرفة، ويجد من حوله من يعيد صياغة أخطائه في صورة اجتهادات تستحق الإعجاب، لا احترامًا للحقيقة وإنما انحناءً غير معلن أمام سلطة المال، وكأن الثروة تمنح صاحبها شهادة تفوق في كل المجالات، حتى في تلك التي لم يقترب منها يومًا، وهذا من أخطر صور الخلل الاجتماعي حين يُستبدل معيار القيمة الإنسانية بمعيار الرصيد البنكي، وتصبح المصلحة المالية هي اللغة الأكثر فصاحة في العلاقات. في الوسط الأدبي والثقافي، حيث يُفترض أن تكون المعرفة هي القيمة الأعلى، لا يختلف المشهد كثيرًا عن غيره، فبعض العلاقات التي تبدأ بعبارات الإعجاب بالنصوص والثناء على الفكر سرعان ما يتضح أنها لم تكن تقديرًا حقيقيًا للكلمة، وإنما محاولة للاقتراب من اسم معروف، أو رغبة في بناء جسر نحو حضور اجتماعي أوسع، أو بحث عن منفعة مرتبطة بالمكانة الثقافية لا بالمحتوى نفسه، فيقترب البعض من الكاتب حين يكون اسمه مفتاحًا، ثم يبتعدون فور انتهاء الحاجة، وكأن القراءة لم تكن هدفًا، وكأن الاحترام لم يكن موجّهًا للفكرة، بل لما يمكن أن تفتحه الفكرة من أبواب أخرى، وهذا من أكثر ما يرهق أصحاب التجارب الصادقة، حين يكتشفون أن بعض المديح الذي سمعوه لم يكن احتفاءً بالنص، بل استثمارًا مؤقتًا في العلاقة. حتى العلاقات الاجتماعية البسيطة داخل الأسرة أو بين الأصدقاء لا تخلو من هذه الصورة، فكم من قريب لا يعرف الطريق إليك إلا حين يحتاج توقيعًا أو واسطة أو خدمة عاجلة، وكم من صديق يحضر في مواسم المنفعة ويغيب في أوقات الضيق، وكم من شخص يرفع منسوب المودة حين تكون قادرًا على العطاء، ثم يتعامل مع غيابك وكأنك لم تكن جزءًا من حياته، وهذه التجارب المتكررة لا تصنع القسوة في النفس بقدر ما تصنع النضج، فهي تعلّم الإنسان أن يقرأ الأفعال قبل الكلمات، وأن يراقب الثبات لا الحماس المؤقت، وأن يفرّق بين من يحبك لذاتك ومن يراك مجرد طريق نحو شيء آخر. الوفاء الحقيقي لا يظهر في لحظات القوة، فالقرب من الناجح أمر يجيده كثيرون، والجلوس إلى صاحب المنصب لا يحتاج شجاعة، والابتسام في وجه الثري لا يُعد اختبارًا للأخلاق، أما الوقوف مع الإنسان حين يفقد مكانته، وحين تضيق به الظروف، وحين لا يملك ما يقدمه سوى نفسه المجردة من النفوذ والمال والسلطة، فتلك هي اللحظة التي تُوزن فيها القلوب بميزانها الصحيح، ويظهر الفرق بين المواليف الحقيقيين والمعاليف الذين لا يعرفون الطريق إلا حين تكون المصلحة قائمة. من فهم هذه الحقيقة لم يعد ينخدع بسهولة، ولم يعد يأسف كثيرًا على الوجوه التي غابت، ولم يعد يقيس مكانته بعدد الحاضرين حوله، بل بنوعية الذين بقوا حين انصرف الآخرون، فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بزحام المجالس ولا بكثرة المصفقين، وإنما بثبات القليل الصادق الذي يبقى حين يسقط القناع عن العلاقات، وحين تنتهي حفلات المجاملة، وحين يعود كل إنسان إلى حقيقته الأولى، وعندها يصبح المثل الشعبي أكثر بلاغة من كثير من الخطب، حين يقول الناس معاليف لا مواليف، فهو لا يدعو إلى سوء الظن بالناس، وإنما يدعو إلى بصيرة تحفظ القلب من الخيبة، وتمنح الإنسان قدرة أعمق على فهم البشر كما هم، لا كما يحب أن يراهم.