تابع قناة عكاظ على الواتساب
في السياسة، لا تُقاس الدول بحجم مساحتها بقدر ما تُقاس بحجم دورها، وفي منطقةٍ مضطربةٍ بطبيعتها يصبح هذا الفارق أكثر وضوحاً، فهناك دولٌ تتعامل مع محيطها باعتباره خارج حدودها، وهناك دولٌ تدرك أن محيطها هو امتدادها المباشر، وفي هذا السياق، تبدو السعودية أقرب إلى «قارة» في سلوكها السياسي، لا دولة تقف عند خطوط الخريطة.
هذا التوصيف لا يُقصد تضخيماً لغوياً، بل محاولة لفهم وظيفة، فالمملكة، بحكم موقعها وتاريخها وثقلها الاقتصادي، تجاوزت موقع الطرف في المعادلة الإقليمية، لتصبح أحد المحددات التي تقوم عليها تلك المعادلة ذاتها، ولهذا، فإن فهم سياستها لا يكون عبر ردود أفعالها، بل عبر الدور الذي تؤديه.
وإذا كان لا بد من تسمية أدق، فإن السعودية لا تعمل كقوة مهيمنة، ولا تكتفي بدور الدولة المحورية، بل تمارس ما يمكن وصفه بـ«دولة التوازن المُنظِّم»؛ أي الدولة التي لا تبتلع محيطها، ولا تنسحب منه، بل تعيد ترتيب تفاعلاته بحيث لا ينفرد طرفٌ بكسر المعادلة.
هذا الدور لا يُدار بالشعارات، بل بحساباتٍ دقيقة، لأن الجوار، في الحالة السعودية، ليس ملفاً خارجياً، بل امتدادٌ مباشر للأمن الوطني. ولهذا، لا يُبنى القرار على لحظة الحدث، بل على ما سيترتب عليه، وهنا يتشكّل الفارق بين دولةٍ ترد، ودولةٍ تعيد تشكيل الرد نفسه.
في بيئاتٍ مستقرة، قد تبدو سرعة الرد فضيلة سياسية، وقد تُفسر على أنها حزم، ولكن في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع المصالح وتتداخل الأزمات، فإن كل خطوةٍ غير محسوبة قد تفتح مسارات يصعب إغلاقها، ولهذا، لا يكون السؤال: كيف نرد؟ بل: ماذا سيحدث بعد الرد؟ وفي هذا التحول، تتضح فلسفة «القارة».
السعودية تدرك أن كثيراً من الأحداث الاستثنائية، خصوصاً تلك التي تُصاغ بطابعٍ استفزازي، ليست سوى محاولاتٍ لفرض إيقاعٍ سريعٍ على القرار، وهنا، يصبح الامتناع عن الانجرار قراراً بحد ذاته، لأن الاستجابة لكل استفزاز تعني تسليم زمام التوقيت للطرف الآخر، وهذا في ميزان الدول خسارة استراتيجية.
ولهذا، يُساء أحياناً فهم التريُّث السعودي، فيُفسر على أنه تردد، بينما هو في حقيقته شكل مختلف من الحزم، فالحزم لا يكون برفع الصوت، بل بالقدرة على التحكم بالإيقاع، والدولة التي تختار لحظة فعلها، وتحدد مساره، تكون أكثر قدرة على تحقيق أهدافها من دولةٍ تتحرك تحت ضغط اللحظة.
على مدى عقود، تشكّل ما يمكن تسميته «المظلة السعودية»، وهو توصيف لا يشير إلى هيمنة، بقدر ما يعكس دوراً تراكم عبر الزمن، اقتصادياً، تمثل المملكة ثقلاً مركزياً، وجيوسياسياً، تشكّل عقدة ربط للتوازنات، وتاريخياً، لعبت دوراً محورياً في نزع فتيل الأزمات وعدم السماح لها بالتمدّد، وهذا التراكم جعل منها نقطة توازن يُعاد إليها عند كل اهتزاز.
غير أن هذا الدور لا يأتي بلا تكلفة، فالدولة التي تختار أن تكون «قارة» في إدارة محيطها، تستهلك من رصيدها الاقتصادي والسياسي باستمرار، وتتحمل عبء التوقعات، وتبقى هدفاً دائماً للاستفزازات، ولكنها، في المقابل، تستثمر في سلعة نادرة في هذه المنطقة، اسمها «الاستقرار»، وهي سلعة، رغم كلفتها، أقل ثمناً من الفوضى، بل هي شرطٌ أساسي لنجاح تحولها الاقتصادي العالمي.
وهنا تبرز المعضلة الأكثر تعقيداً، فالسعودية اليوم لا تكتفي بدورها الإقليمي، بل تنقل مركز ثقلها نحو اقتصاد عالمي تنافسي، وهذا التحول يخلق صداماً بين منطقين؛ منطق «القارة» الذي يقوم على الصبر والتريث، ومنطق «الدولة العالمية» الذي يتطلب أحياناً سرعة الرد ووضوح الحسم لحماية سمعتها وجذب الاستثمارات.
المستثمر العالمي لا يقرأ الإقليم بعين السياسة، بل بعين المخاطر، ولهذا، فإن أي حدثٍ غير محسوب، إن لم يقترن بإشارة ردع واضحة يفهمها السوق، قد يُفسر على أنه بيئة غير مستقرة، وهنا يكمن التحدي الحقيقي: كيف تحافظ السعودية على دورها كقوة توازن إقليمي، وفي الوقت ذاته، تتصرف كدولة تنافس في سوق عالمي لا ينتظر.
في هذا السياق، لا يكون الرد السعودي، إن وقع، نهاية المسار، بل بدايته، إذ غالباً ما يتحول الفعل، بعد لحظته الأولى، إلى مسارٍ دبلوماسي واقتصادي يعيد ملء الفراغ، ويعيد ضبط التوازن، وهنا تحديداً، لا تُقاس القرارات بلحظتها، بل بما تتركه بعدها.
كان يمكن للسعودية أن تختار مساراً أكثر صخباً، أن تُصعّد إعلامياً، وأن ترد على كل حدثٍ بحدث، وأن تنخرط في استقطاباتٍ حادة، ولكن هذا المسار، رغم ما يقدمه من حضورٍ سريع، يفتح أبواب استنزافٍ طويل، ويُفقد الدولة قدرتها على التحكم بالمآلات، وهنا يظهر الفرق بين إدارة الأزمة والوقوع فيها.
لهذا، تبدو السعودية، في كثيرٍ من الأحيان، أقل صخباً، ولكنها أكثر تأثيراً، لأنها لا تتحرك وفق ما يُفرض عليها، بل وفق ما تراه مناسباً لمعادلتها، وفي زمنٍ تُستفز فيه الدول لتُخطئ، تختار هي أن تُدير.
في النهاية، ليست «القارة السعودية» توصيفاً لحجم، بل تعريف لوظيفة؛ وظيفة تقوم على إدارة التوازنات لا إدارة الحدود، وفي هذا الإيقاع الهادئ، حيث تتكلم السياسة عبر إدارة التوازنات، يصمت الضجيج ليعمل التوازن، ويتضح معنى أن تكون دولةً بحجم إقليمٍ كامل.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
