كتب عبد الحليم سالم الإثنين، 11 مايو 2026 12:30 م تعد تجربة هذا الرجل نموذجا لعمل العام في المهجر، وربما يمكن الاستفادة منها خاصة للأجيال الجديدة ، ففي قلب بروكلين الصاخب، حيث تتقاطع الثقافات وتصطدم الطموحات، يبرز مركز طبي حديث، ليس مجرد عيادة للعلاج، بل معقل فكري تضامني واجتماعي يتجاوز حدود الجغرافيا. هنا يدير فلسطيني، يجمع بين حسم مشرط الجراح ورؤية المفكر الاشتراكي، تجربة فريدة تمزج بين النجاح المهني الأمريكي ،والالتزام القومي الفلسطيني. أبو رمزي، أو الدكتور حبيب جودة، الذى التقيته فى بروكلين نيويورك خلال زيارتنا الاخيرة ،برفقة المهندس نشأت زنفل نائب رئيس المركز الثقافي المصري الامريكي ، عمل في مطار الكويت ردحًا من الزمن، وجاء إلى أمريكا نحو عام 1983، وعمل في مجالات تجارة التجزئة والصيدلة، بدأ حديثه قائلًا: “نمارس الطب هنا كرسالة اشتراكية في قلب الرأسمالية”. أبو رمزى مع نشأت زنفل نائب رئيس المركز الثقافى المصري ورغم نجاحه في بناء واحد من أهم المراكز الطبية في منطقته، لم ينسَ المدير، الذي ينتمي لمدرسة “فتح” النضالية، جذوره وميوله الناصرية الاشتراكية. فهو يرى أن الطب لا ينبغي أن يكون سلعة، بل حقًا إنسانيًا. وفي مركزه، يلمس المريض المصري والعربي واللاتيني معاملة تعيد الاعتبار للإنسان، بعيدًا عن جشع شركات التأمين الطبي أو العيادات الخاصة وشركات الدواء. ويؤكد أن “النجاح في أمريكا ليس بالدولارات التي تجمعها، بل بالخدمة التي تقدمها لمجتمع يطحن أغلبه النظام الرأسمالي”، هكذا يلخص رؤيته العملية. موقف من أحداث غزة وتداعيات أكتوبر 2023 حبيب جودة مع الزميل عبد الحليم سالم وبوضوح لا يعرف المواربة، يتخذ أبو رمزي موقفًا حازمًا تجاه أحداث أكتوبر 2023، إذ يرى أن ما قامت به حركة حماس كان “كارثيًا”، وافتقر إلى القراءة السياسية الدقيقة للنتائج، وإلى التشاور والتشارك المطلوبين. وفي النهاية، يحسب للحدث مكسبًا وحيدًا، وهو إحياء الاهتمام بالقضية الفلسطينية. وأكد أبو رمزي، الذي أسس أيضًا الجمعية العربية الأمريكية بنيويورك، أن النضال يجب أن يحمي الإنسان لا أن يهدم بيته فوق رأسه، معتبرًا أن تدمير غزة نتيجة مباشرة لغياب الرؤية الوطنية الشاملة، والارتهان لأجندات لا تخدم المشروع الوطني الفلسطيني الذي تمثله منظمة التحرير وحركة فتح. قراءة للمشهد الأمريكي والإعلام العربي جانب من المركز وبصفته مراقبًا واعيًا للداخل الأمريكي، يحلل الطبيب دور اللوبي الإسرائيلي، ليس كـ”لوبي” عابر، بل كمنظومة متغلغلة في مفاصل القرار والإعلام. ويؤكد أهمية الوعي بالخصم، وأن إسرائيل تنجح في أمريكا لأنها تقدم رواية متماسكة، وإن كانت زائفة، بينما يغيب العرب عن الساحة، وتتعدد بينهم الفرقة، ويقل مستوى الثقة بالذات. وقال إن لديه رؤية مبكرة بضرورة وجود إعلام عربي “ناطق بالإنجليزية” وبعقلية أمريكية، لا يكتفي بالبكاء على الأطلال، بل يخاطب دافع الضرائب الأمريكي بلغة المصالح والقيم الإنسانية المشتركة. وأضاف أنه عمل على إقامة قناة إخبارية عصرية بأحدث تكنولوجيا، وذلك عام 1988، أي قبل ظهور قناة الجزيرة بست سنوات، وقبل “سي إن إن”، لكن دعاة من جماعة الإخوان تصدوا للمشروع على المنابر، بدعوى أن القناة ستقدم “الغوازي” والرقص والخلاعة، ولاحقًا هلل هؤلاء أنفسهم لقناة الجزيرة وأخواتها. نصائح للشباب العربي في المجال الطبي ولم يبخل أبو رمزي بنصائحه للشباب العربي والمصري الطامح لدخول السلك الطبي في الولايات المتحدة، مستمدًا خبرته من مركز نجح في تحويله إلى مؤسسة معتمدة من وزارة التعليم هناك، مؤكدًا على ثلاثية ذهبية: أولا المعادلة ليست نهاية الطريق، وضرورة اجتياز اختبارات (USMLE)، فهي مجرد تذكرة دخول، بينما يبدأ التميز الحقيقي في فهم سيكولوجية المريض الأمريكي وتنوعه الثقافي.ثانيا التخصص الدقيق، لأن المستقبل لمن يبحث عن الفجوات الطبية، لا سيما في جراحة المناطق الحيوية أو الأبحاث الجينية.ثالثا الاستقامة المهنية، حيث إن السمعة في أمريكا تُبنى في سنوات وتنهار في ثانية، والصدق مع المريض هو أقصر طريق للنجاح. الإعلام والوحدة الوطنية.. طريق المواجهة منطقة بروكلين ولا يتوقف الطبيب الفلسطيني، الشديد الوفاء لياسر عرفات ودوره، كثيرًا عند سرديات الماضي، بل يستخلص منها العبر. فالتاريخ بالنسبة له هو بوصلة للحاضر. ويقول إن هزيمة المشروع الإسرائيلي التوسعي لا تتم بالشعارات، بل ببناء مؤسسات قوية داخل أمريكا، وإن الإعلام هو السلاح النووي في العصر الحديث، ومن يتركه يترك ساحة المعركة. وأكد أن الوحدة تحت مظلة وطنية واعية، ممثلة في “فتح”، هي الضمان الوحيد لعدم تكرار مآسي غزة. ومن بروكلين، يبعث هذا الطبيب برسالة إلى كل عربي:“كن ناجحًا في مهنتك، قويًا في مبادئك، وذكيًا في صراعك.. فهذه هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العالم اليوم”