كتب : جمال عبد الناصر الإثنين، 11 مايو 2026 10:13 م لم يكن عبد الرحمن أبو زهرة مجرد ممثل كبير يعتلي المسرح أو يقف أمام الكاميرا، بل كان حالة إنسانية وفنية نادرة، تشعر وأنت تجلس إليه أنك أمام رجل عاش الفن بكل جوارحه، وآمن به كما يؤمن المتصوف بعزلته وصلاته، وكان يتحدث عن التمثيل لا باعتباره مهنة، بل قدرًا طويلًا اختاره منذ شبابه ومضى معه حتى صار واحدًا من أهم وأصدق الممثلين في تاريخ الفن العربي. أتذكره جيدًا في تونس، خلال تكريمه في أيام قرطاج المسرحية، حين أجريت معه حوارًا طويلًا بدا لي وكأنه جلسة اعتراف نادرة لفنان قرر أن يفتح قلبه دفعة واحدة، ويومها لم يكن يتحدث عن النجومية أو الشهرة، بل عن المسرح باعتباره المعنى الحقيقي للحياة، وعن الفن باعتباره رحلة شاقة من الاجتهاد والإيمان والبحث الدائم عن الصدق. كان يتحدث بهدوء الحكماء، وبصوت يحمل ملامح عمر كامل قضاه بين الخشبات والاستديوهات والميكروفونات، وحين سألته عن طريقته في التمثيل قال جملة لا يمكن أن تُنسى:(أنا لا أقدم شخصية إلا إذا تقمصتها بشكل كامل، وأذاكر دوري مثل التلميذ المقبل على الامتحان حتى أتشبع بالشخصية). كانت هذه الجملة تلخص سر عبد الرحمن أبو زهرة كله؛ ذلك الفنان الذي لم يعتمد يومًا على حضوره أو صوته فقط، بل على ثقافة واسعة ووعي عميق بالشخصية الإنسانية، وكان ممثلًا يقرأ ويفكر ويبحث، ويؤمن أن الفن الحقيقي يبدأ من المعرفة، ولذلك لم يكن غريبًا أن يخبرني بأن مكتبته تضم أكثر من ألفي كتاب، وأن القراءة هي التي صنعت شخصيته الفنية والفكرية. وحين عاد بذاكرته إلى البدايات، تحدث عن خجله الشديد في شبابه، وكيف عالجه المسرح من هذا الخجل، وقال إن دفعة تخرجه كانت مليئة بالنجوم: أبو بكر عزت وعزت العلايلي وصلاح قابيل وحسن يوسف ويوسف شعبان وغيرهم، لكن المسرح كان هو المدرسة الحقيقية التي صنعتهم جميعًا، وكان يقول إن الوقوف إلى جوار العمالقة فوق الخشبة هو أعظم معهد يمكن أن يتخرج فيه ممثل. وحكى لي كيف أصبح بطلاً على المسرح القومي بالمصادفة، بعدما اعتذر عمر الحريري عن مسرحية "بداية ونهاية"، فأسندوا إليه الدور لأنه كان معروفًا بسرعة الحفظ والاجتهاد، ثم تكرر الأمر أكثر من مرة، حتى صار "الجوكر" الذي يستطيع إنقاذ أي عرض في اللحظة الأخيرة، كان المسرح بالنسبة له امتحانًا يوميًا، وكان دائم الاستعداد له. الفنان عبد الرحمن ابوزهرة وجمال عبد الناصر وأذكر جيدًا ضحكته وهو يحكي لي كيف تزوج بثمانية جنيهات فقط، كانت مكافأة منحه إياها الكاتب والضابط الكبير أحمد حمروش بعد أن أنقذ عرضًا مسرحيًا بدلًا من فنان مريض، قالها ببساطة شديدة، وكأن الفن عند جيله لم يكن بابًا للثروة، بل طريقة للحياة والكرامة والاستمرار. كان عبد الرحمن أبو زهرة عاشقًا للمسرح حد التصوف، وتحدث بحزن عن انحسار المسرح السياسي الذي ازدهر في الستينيات والسبعينيات، وتذكر بحماس عروضًا مثل "الفتى مهران" و"الحسين ثائرًا"، وكيف كانت الخشبة وقتها ساحة حقيقية للأسئلة الكبرى والحرية والاحتجاج، وكان يرى أن الفن لا قيمة له إذا فقد هدفه التنويري، ولهذا بدا واضحًا في حديثه رفضه للكوميديا السهلة التي تعتمد على الإفيهات العابرة دون مضمون حقيقي. وحين سألته عن الكوميديا، رفض تمامًا تصنيف الممثل إلى كوميدي وتراجيدي، وقال إن أعظم من قدموا الكوميديا كانوا في الأصل ممثلين تراجيديين كبارًا مثل يوسف وهبي وحسين رياض، ثم حكى لي واحدة من أجمل ذكرياته حين وقف أمام حسين رياض على المسرح، فاندهش من أدائه لدرجة أنه نسي جملته تمامًا، قبل أن يهمس له حسين رياض: اتكلم قول جملتك، وبعد انتهاء العرض قال له: إنت هتبقى ممثل كبير. ومن أجمل اللحظات في هذا الحوار، حديثه عن أحمد زكي، يومها قال لي بحسم شديد: أحمد زكي أعظم ممثل في مصر، ثم روى كيف اكتشفه بنفسه أثناء مشروع تخرجه في المعهد العالي للفنون المسرحية، حين قدم خمس شخصيات مختلفة لموليير، فترك عبدالرحمن أبو زهرة مكانه واتجه إليه قائلًا: إنت هتبقى أعظم ممثل في مصر، كان يتحدث عن أحمد زكي بحب الأب وفخر المكتشف الأول لعبقرية استثنائية. ولأن الفنان الحقيقي لا ينفصل عن قضايا مجتمعه، تحدث أيضًا عن انتمائه السياسي لليسار، وانضمامه إلى حزب التجمع، وكشف لي واقعة مثيرة حين قال إن الرئيس أنور السادات قرر حبسه هو وكرم مطاوع وسهير المرشدي بعد تقديمهم مواقف رافضة للتطبيع مع إسرائيل خلال وجودهم في العراق، وأضاف بجملته الصادمة: موت السادات أنقذني من السجن.لكن أكثر ما بقي عالقًا في ذهني من ذلك اللقاء كان تأمله لعمره كله، حين سألته عن إحساسه بعد أكثر من نصف قرن في الفن، استعاد آية قرآنية كريمة، ثم قال بهدوء المؤمن : عندما أتأمل رحلتي الفنية أشعر أنها يوم أو بعض يوم. واليوم، بعد رحيله، يبدو الأمر فعلًا وكأن نصف قرن من الإبداع مرّ كأنه يوم واحد فقط، لكنه يوم طويل ومضيء ترك فيه عبد الرحمن أبو زهرة أثرًا لا يمحى في المسرح والسينما والإذاعة والدراما العربية. رحل الجسد، لكن ذلك الصوت العميق، وتلك الروح المخلصة للفن، ستظل باقية في ذاكرة الأجيال، لأن الفنان الحقيقي لا يموت حين يرحل، بل يبقى حيًا في كل شخصية صادقة منحها جزءًا من روحه.