كتب: مدحت عادل الثلاثاء، 12 مايو 2026 12:58 م عمر الشنيطي: أسعار النفط لن تعود لمستويات ما قبل الحرب.. والذهب قد يتجاوز 5 آلاف دولار مع خفض الفائدة الأمريكية عقد المركز المصري للدراسات الاقتصادية، مساء أمس الاثنين، الويبينار الشهري الثاني (اون لاين)، لعرض ومناقشة نتائج التقرير الشهري "نظرة على الأسواق المالية" لشهر أبريل، والذي يتضمن أهم المتغيرات فى أسواق المال العالمية وتأثيراتها على الاقتصادات الناشئة والاقتصاد المصري. انعكاسات الهدنة بين أمريكا وإيران واستعرض عمر الشنيطي الشريك التنفيذي لزيلا كابيتال، والاستشاري بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية والمسؤول عن إعداد التقرير، أهم نتائج التقرير خلال شهر أبريل الماضي، والذى ظهر فيه انعكاسات الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، وهدوء شراسة الحرب التى لم تنته بعد ولكنها اتخذت شكلا جديدا تشبه المناوشات أو حرب الاستنزاف، وتتوقع الأسواق أن يطول أمد هذه الحرب لكنها لن ينتج عنها تغيرات جذرية. فعلى مستوى الأسواق العالمية، شهدت أسعار أهم السلع الأساسية والمواد الخام الأولية تقلبات فى أسعارها، مازال هناك ارتفاع فى أسعار خام برنت ما بين 95 – 100 دولار للبرميل، ومازال يتحرك صعودا وهبوطا على خلفية الحديث عن اتفاقية سلام مرتقبة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ويشهد الغاز الطبيعي أزمة نتيجة أن الجزء الأكبر من الغاز المسال يأتى من قطر التى تصدر من خلال مضيق هرمز وهو ما تأثر كثيرا. أسعار الذهب وأشار الشنيطى، إلى ما أسماه "مفارقة عجيبة" فى أسعار الذهب والذى لم يشهد قفزات كبيرة فى الأسعار على مدار الشهرين الماضيين على عكس المتوقع عند حدوث الحرب، وذلك نتيجة التوجه نحو تسييل الذهب وتحويله إلى الدولار، كما شهدت أسعار المواد الغذائية ارتفاعات مثل القمح والزيوت. وأوضح أن ارتفاع أسعار السلع عالميا خاصة المواد البترولية، تسبب فى زيادة التضخم فى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لافتا إلى أن البنوك المركزية تعاملت مع هذه الزيادة بحذر، من خلال قرارات تثبيت الفائدة مع إشارات مختلفة فى ظل مخاوف استمرار ارتفاع التضخم، فى الوقت الذى قد يؤدى فيه رفع الفائدة إلى إدخال العالم فى حالة ركود. تغيرات قيمة الدولار وعلى غير المتوقع، شهدت قيمة الدولار ارتفاعا فى الشهور الأولى من الحرب نتيجة تزايد التوجه العالمي نحو تسييل الذهب وشراء الدولار، ولكن تراجع هذا التوجه الشهر الماضي حيث خسر الدولار بعض مكاسبه، وارتفعت أسعار عدد من العملات الأخرى مثل اليورو والجنيه الاسترليني والدولار الكندي، نتيجة تغير شكل الحرب. تطور أسواق المال وشهدت أسواق المال العالمية ارتفاعات بمستويات قياسية خلال الشهر الماضي كأن الحرب لم تكن رغم الصدمة الكبيرة التى تلقتها الأسواق مع الشهر الأول للحرب، وارتفعت تكلفة الاقتراض فى الولايات المتحدة وأوروبا فى ظل استمرار التضخم المرتفع وصعوبة تخفيض الفائدة فى هذه الدول، وبالتالى ستضطر للاقتراض بسعر مرتفع، ورغم ذلك انخفضت تكلفة تأمين الديون ضد الإفلاس. تأثر الدول الناشئة وعلى صعيد التأثير على الدول الناشئة، أوضح الشنيطي أنها شهدت ارتفاعات متباينة فى مستويات التضخم، حيث شهدت الهند ارتفاعا كبيرا فى معدلات التضخم نتيجة اعتمادها الكبير على استيراد المواد البترولية، وارتفع التضخم فى تركيا بشكل أقل، لافتا إلى أن دولة الإمارات لا يوجد فيها بيانات معلنة عن معدل التضخم منذ بداية العام. واتخذت أغلب البنوك المركزية فى الدول الناشئة مسارا تحفظيا بتثبيت أسعار الفائدة انتظارا لقرار الفيدرالى الأمريكي، وعاودت عملات الدول الناشئة ارتفاعها خلال الشهر الماضي فى ظل التفاؤل تجاه الأسواق الناشئة مع هدوء وتيرة الحرب، وارتفعت أسواق المال فى الدول الناشئة باستثناء بعض الدول مثل الإمارات، وشهدت السوق السعودي تعافيا نتيجة ضخ أموال كبيرة من الصناديق السيادية وصناديق الاستثمار للحفاظ على البورصة. وشهدت تكلفة الاقتراض فى هذه الدول وأيضا تكلفة تأمين الديون تراجعا نسبيا. وبالنسبة للتأثير على الاقتصاد المصري، أشار الشنيطي إلى أن مصر ليست بمعزل عما يحدث عالميا وتتأثر بشدة، حيث شهد الدين الخارجي ارتفاعا نتيجة زيادة الاحتياجات الدولارية وزيادة الاقتراض لسداد قروض مستحقة، كما ارتفعت تكلفة الاقتراض، بينما تراجعت تكلفة تأمين الديون نسبيا مع هدوء وتيرة الحرب، وعلى صعيد التصنيف الائتماني ثبتت مؤسسة ستاندرد آند بورز التصنيف الائتماني للاقتصاد المصري عند مستوى B ولكنها خفضت النظرة المستقبلية، ولفت إلى أن مصر حققت معدلات نمو جيدة، ولكن مازالت تعانى من ارتفاع التضخم وهو أمرطبيعي فى ظل ارتفاع أسعار المحروقات. سياسات البنك المركزي وعن تأثير ذلك على أسعار الفائدة، أوضح الشنيطى أن البنك المركزى – مثله مثل باقى البنوك المركزية فى الدول الناشئة – اتبع سياسة تحفظية من خلال تثبيت سعر الفائدة، واتجه لمواجهة التضخم من خلال سحب السيولة وخفض المعروض النقدي، وهو تصرف إيجابي – وفق الشنيطي – لأنه يتعامل مع تضخم ناتج عن زيادة العرض، وليس ناتج عن تراجع الطلب. وأشار الشنيطي إلى تراجع صافى الأصول الأجنبية فى القطاع المصرفي لمستويات ما كانت عليه قبل 9 أشهر، نتيجة خروج أموال ساخنة على مدار الثلاثة أشهر الماضية بصورة كبيرة، وهو ما انعكس على انخفاض سعر صرف الجنيه أمام الدولار مسجلا 53 جنيها حاليا، مقابل 47 جنيها قبل اندلاع الحرب، وهو ما يثبت تعامل البنك المركزي بمرونة وبصورة إيجابية والضغط على الأموال الساخنة عند خروجها بتكبيدها خسائر انخفاض العملة، لافتا إلى أنه حتى الآن لا يزال لدينا سعر صرف واحد ولا يوجد سوق سوداء كبيرة وهى علامة جيدة. ولا يوجد ما يشير إلى انخفاضات كبيرة فى تحويلات المصريين بالخارج حتى الآن. وعن التأثير على البورصة المصرية، أكد الشنيطى أن شأنها شأن جميع بورصات العالم، فقد سجلت ارتفاعات كبيرة نتيجة عدم وجود قلق على الأسهم فى ظل تراجع وتيرة الحرب، وأيضا لجوء المستثمرين إلى التحوط من ارتفاع سعر الدولار بشراء الأسهم فى البورصة. فرص الركود التضخمى وأوضح الشنيطي، خلال الجزء الخاص بالأسئلة والنقاش، إن الحديث عن دخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود تضخمي لا يزال محل جدل واسع، موضحا أن الاقتصاديين غالبا ما يتوقعون الركود أكثر مما يحدث فعليا، لكن المؤكد أن العالم يواجه موجة تضخمية لن تنتهي بسهولة حتى مع انتهاء الحرب الحالية. وأشار إلى أن أسعار البترول والغاز لن تعود سريعا إلى مستويات ما قبل الحرب، نتيجة الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في عدد من الدول المنتجة، مشيرا إلى تعرض مصافي بترولية في السعودية والإمارات لأضرار، إلى جانب تضرر محطات تسييل الغاز في قطر، من بينها محطة خرجت بالكامل من الخدمة وقد تحتاج ثلاث سنوات لاستعادة طاقتها الإنتاجية. وأضاف الشنيطي أن هذه التطورات ستؤدي إلى تراجع القدرات الإنتاجية العالمية للطاقة، وهو ما يبقي أسعار النفط عند مستويات مرتفعة نسبيا حتى بعد انتهاء الحرب، متوقعا أن يتحرك خام برنت مستقبلا في نطاق 80 إلى 90 دولارا للبرميل، مع إمكانية انخفاضه لمستويات 70 إلى 80 دولارا نتيجة لخروج الإمارات من تحالف أوبك وتوقعات اتجاهها لزيادة الإنتاج. وأشار إلى أن استمرار التضخم العالمي سيجبر البنوك المركزية على اتباع سياسة حذرة والتريث في خفض أسعار الفائدة، لافتا إلى أن مستقبل السياسة النقدية الأمريكية سيظل العامل الأهم في تحديد اتجاه الأسواق خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل الضغوط التي يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الفيدرالي الأمريكي لخفض الفائدة. وأكد أن أي خفض للفائدة الأمريكية قد يدفع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية تتجاوز 5 آلاف دولار للأوقية، مع تحقيق البورصات العالمية ارتفاعات قوية، إلى جانب تدفقات استثمارية كبيرة نحو الأسواق الناشئة ومن بينها مصر. سندات مصر الدولية وحول قدرة مصر على طرح سندات دولية في ظل الأوضاع الحالية، أوضح الشنيطي أن مصر نجحت بالفعل خلال الأسابيع الماضية في إصدار سندات دولية، لكن بتكلفة اقتراض مرتفعة نسبيا انعكست على تكلفة خدمة الدين. كما أشار إلى أن الاتجاه العالمي نحو خفض نسبة الدولار في الاحتياطيات النقدية للبنوك المركزية أصبح واضحا خلال السنوات الأخيرة، نتيجة تنامي المخاوف الجيوسياسية، وزيادة الاعتماد على الذهب والعملات الأخرى، إلا أن الحرب الأخيرة أثبتت أن الدولار يظل الملاذ الآمن الأول وقت الأزمات، وهو ما ظهر في تدفقات الأموال نحو السوق الأمريكي فور اندلاع الحرب. وفيما يتعلق بسعر الصرف في مصر، أكد الشنيطي أن التجربة السابقة قبل عام 2024 أثبتت فشل سياسة تثبيت سعر الصرف، موضحا أن وجود سعر رسمي عند 31 جنيها بالتزامن مع وصول الدولار إلى 74 جنيها في السوق الموازية كان وضعا غير صحي. الأموال الساخنة في مصر وأضاف أن مرونة سعر الصرف النسبية حاليا سمحت للاقتصاد المصري بامتصاص جزء من الصدمات الناتجة عن خروج الأموال الساخنة، مشيرا إلى أن انخفاض الجنيه من 47 إلى 54 جنيها أمام الدولار يعكس انتقال جزء من تكلفة خروج هذه الأموال إلى المستثمر الأجنبي بدلا من تحميل الاقتصاد بالكامل تلك الصدمة. وأوضح أن السياسة الحالية وفرت قدرا من المرونة لم يكن موجودا من قبل، وساعدت على اختفاء السوق السوداء، مؤكدا أن تراجع الجنيه لا يعني بالضرورة حدوث إعادة تسعير هيكلية دائمة للعملة، بل يرتبط بالظروف الحالية للحرب والتدفقات المالية العالمية. وتوقع الشنيطي أنه في حال انتهاء الحرب وعودة تدفقات الأموال الساخنة وتحسن تحويلات المصريين بالخارج، قد يتراجع الدولار مجددا إلى مستويات تقارب 50 جنيها أو أقل خلال الأشهر المقبلة، بينما قد تستمر الضغوط إذا طال أمد الحرب. وفي ختام الويبينار، أكدت الدكتورة عبلة عبد اللطيف المدير التنفيذي ومدير البحوث بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية، أن التركيز المبالغ فيه على سعر الصرف باعتباره الأداة الوحيدة لإدارة الاقتصاد يمثل خطأ كبيرا، مشددة على أن قوة الاقتصاد الحقيقية ترتبط بالإنتاج والصناعة والزراعة والتجارة والسياسات الاقتصادية المتكاملة. وأضافت أن مصر تحتاج خلال المرحلة الحالية إلى تعزيز قدرتها على الصمود أمام الصدمات الخارجية، من خلال تنفيذ إصلاحات هيكلية حقيقية، وتحسين بيئة الاستثمار لجذب استثمارات مباشرة منتجة بدلا من الاعتماد على الأموال الساخنة، إلى جانب دعم ريادة الأعمال والسياسات الصناعية. كما شددت على أهمية ملف الطاقة المتجددة، مؤكدة أن مصر تمتلك فرصا كبيرة في هذا المجال، خاصة في الطاقة الشمسية، وأن بناء اقتصاد قوي من الداخل هو السبيل الأفضل للتعامل مع التقلبات والأزمات العالمية.