فن / اليوم السابع

جمال عبد الناصر يكتب: العسال وجبيل.. رحلة معرفية فى دهاليز الخلافة والسلطة

  • 1/2
  • 2/2

كتب : جمال عبد الناصر

الجمعة، 15 مايو 2026 11:00 م

في زمنٍ تتكاثر فيه الحكايات السريعة، وتُختزل فيه وقائع التاريخ في مقاطع عابرة وشعارات جاهزة، تبدو بعض التجارب المعرفية وكأنها محاولة جادة لاستعادة العقل العربي إلى فضاء السؤال والتأمل والقراءة العميقة، ومن بين هذه التجارب اللافتة، تأتي حلقات (الخلافة الإسلامية في 1000 عام) التي يقدمها الكاتب الصحفي والباحث المتخصص في العلاقات الدولية سيد جبيل، بصحبة الدكتور إبراهيم العسال أستاذ التاريخ ب في جامعات مصرية وإسبانية، وعضو لجنة التراث الثقافي بالاتحاد الأندلسي في إسبانيا. 

هذه الثنائية الفكرية تبدو أقرب إلى رحلة ممتدة داخل دهاليز التاريخ، لا بهدف استدعاء الماضي فقط، بل لفهم الحاضر أيضًا، وليست هذه الحلقات مجرد سردٍ تقليدي لأحداث التاريخ الإسلامي، بل هي محاولة لإعادة قراءة التاريخ من خلال " خط السلطة "؛ كيف حُكمت الدول؟ وكيف انتقلت الخلافة؟ وكيف تشكلت الصراعات؟ وكيف لعب البشر- بكل طموحاتهم وضعفهم وأخطائهم- أدوارهم داخل المشهد السياسي والديني والاجتماعي؟

ما يقدمه سيد جبيل يتجاوز دور المحاور التقليدي، فهو يدخل إلى قلب النقاش بأسئلته ومداخلاته وقراءاته، كأنه يفتح أبوابًا جديدة داخل الرواية التاريخية، بينما يأتي الدكتور إبراهيم العسال محمّلًا بذاكرة واسعة من المصادر والمراجع والروايات، يسرد ويحلل ويفند ويقارن، دون أن يقع في فخ الأحكام المطلقة أو الرواية الواحدة المغلقة.


سيد جبيل وابراهيم العسال

وما يميز الدكتور العسال حقًا، أنه لا يتعامل مع التاريخ بوصفه "حقيقة نهائية" ، بل بوصفه علمًا له رواة، تمامًا كما هو الحال في الحديث الشريف؛ هناك السند القوي، وهناك الرواية الضعيفة، وهناك من كتب التاريخ بدافع السياسة أو الانتصار أو الخوف أو التحيز، ولذلك تأتي حلقاته ممتلئة بروح الباحث الحقيقي، الذي يضع الروايات أمام المتلقي، ثم يشرح سياقاتها، ويفكك دوافعها، ويترك للعقل مساحة للتأمل والفهم.

إنها متعة معرفية نادرة.. أن تشاهد التاريخ وهو يُروى لا باعتباره حكاية جامدة، بل باعتباره كائنًا حيًا مليئًا بالتناقضات والصراعات الإنسانية، فمع كل حلقة، لا يشعر المشاهد أنه يتلقى درسًا أكاديميًا جافًا، بل يعيش داخل زمن آخر، يسمع أصوات الخلفاء والقادة والعلماء والفقهاء والجنود، ويرى كيف كانت تُصنع القرارات الكبرى، وكيف تغيّرت خرائط العالم الإسلامي عبر القرون.

والحقيقة أنني أنتظر هذه الحلقات بشغفٍ كبير، لأنها تمنحني ذلك الإحساس النادر بأن التاريخ ما زال قادرًا على الإدهاش، ففي كل مرة أظن أنني أعرف الوقائع، أكتشف أن هناك زاوية أخرى للرؤية، أو رواية جديدة، أو تفصيلًا صغيرًا يغيّر فهم المشهد بأكمله.

وربما تكمن القيمة الأهم لهذه السلسلة في أنها تفتح الباب أمام الدراما العربية لتقترب من التاريخ الحقيقي، لا التاريخ المُسطّح أو المؤدلج، فهذه الحكايات التي يرويها الدكتور إبراهيم العسال، بما تحمله من صراعات على السلطة، وتقلبات إنسانية، ومكائد سياسية، وانتصارات وانكسارات، تبدو مادة درامية مذهلة، تتجاوز في عمقها وخيالها كثيرًا مما يُكتب اليوم.

كم أتمنى أن يقترب كاتب درامي عربي من هذه التجربة، وأن ينهل من هذا البحر الواسع من المعرفة، أو حتى يستعين بالدكتور العسال ومنهجه العلمي في كتابة أعمال درامية كبرى عن تلك الفترات التاريخية، لأن تاريخنا لا ينقصه الثراء، بل ينقصه فقط من يعرف كيف يرويه بصدق ووعي وعمق.

إن ما يقدمه سيد جبيل وإبراهيم العسال ليس مجرد برنامج عن التاريخ، بل محاولة لإحياء الوعي، وإعادة اكتشاف الذات العربية والإسلامية بعيدًا عن التبسيط والتقديس الأعمى والكراهية المجانية، إنها دعوة لأن نقرأ الماضي بعقل مفتوح، وأن نفهم أن التاريخ ليس أبيض بالكامل ولا أسود بالكامل، بل هو مساحة واسعة من البشر بكل ما فيهم من نور وظلال.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا