تحولت شركات التمويل الاستهلاكي في السنوات الأخيرة من نشاط محدود في مصر يقتصر على تقسيط الأجهزة والسلع، إلى لاعب مالي ضخم يتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، بداية من الهواتف المحمولة والأثاث، وصولًا إلى السيارات والرحلات والخدمات التعليمية والطبية. ومع القفزات الكبيرة في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، أصبح التقسيط بالنسبة لملايين المصريين “وسيلة معيشة” أكثر منه رفاهية، بينما وجدت شركات التمويل فرصة ذهبية للتوسع السريع وتحقيق أرباح ضخمة في سوق يعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية متزايدة. لكن خلف هذا التوسع، بدأت تتصاعد تساؤلات خطيرة داخل الأوساط الاقتصادية والمصرفية: هل يتحول النمو السريع لشركات التمويل الاستهلاكي إلى فقاعة ديون تهدد الاستقرار المالي؟ وهل أصبح الاقتصاد المصري أمام نسخة محلية من أزمات “بنوك الظل” التي ضربت اقتصادات عالمية من قبل؟ هذه المخاوف عادت بقوة خلال الساعات الماضية، بعد تحذيرات أطلقها هشام عز العرب، رئيس البنك التجاري الدولي، بشأن مخاطر التوسع غير المنضبط في التمويل غير المصرفي، محذرًا من أن “الشرارة الصغيرة قد تتحول إلى أزمة كبيرة”، في إشارة إلى ما وصفه بتزايد منح التمويلات دون دراسة دقيقة للقدرة الحقيقية على السداد. هشام عز العرب، رئيس البنك التجاري الدولي ما الذي أثار قلق هشام عز العرب؟ بحسب تصريحات رئيس البنك التجاري الدولي، فإن القلق لا يتعلق بالبنوك التقليدية الخاضعة لرقابة صارمة من البنك المركزي المصري، وإنما بقطاع التمويل غير المصرفي الذي توسع بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة. وأشار عز العرب إلى أن عدد شركات التمويل غير المصرفي يقترب من 2500 شركة، بعضها يمنح تمويلات وقروضًا دون تطبيق صارم لإجراءات الاستعلام الائتماني أو دراسة القدرة الفعلية للعميل على السداد. كذلك كشف عن وجود حالات حصل فيها مواطنون على تمويلات كبيرة رغم ضعف الملاءة المالية، مستشهدًا بحالة سائق حصل على قرض بقيمة 400 ألف جنيه قبل أن يضطر لاحقًا لبيع ممتلكاته وسيارته بسبب التعثر. الأخطر في تصريحات عز العرب كان تشبيهه الوضع الحالي ببدايات أزمة الرهن العقاري الأمريكية في 2008، حين بدأت الأزمة من مؤسسات تمويل خارج النظام المصرفي التقليدي، قبل أن تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. من سوق محدود إلى إمبراطورية مالية قبل سنوات، كان التقسيط التقليدي يعتمد غالبًا على المعارض والمحلات التجارية، لكن المشهد تغير بالكامل مع ظهور شركات التمويل الاستهلاكي والتطبيقات الرقمية التي جعلت الحصول على التمويل يتم أحيانًا خلال دقائق. ومع ارتفاع معدلات التضخم بعد تحرير سعر الصرف، أصبحت شريحة واسعة من المواطنين تعتمد على الشراء بالأقساط لتلبية احتياجات أساسية، في ظل صعوبة الدفع النقدي الكامل. هذا التوسع انعكس في الأرقام الرسمية؛ إذ شهد قطاع التمويل الاستهلاكي نموًا متسارعًا خلال الأعوام الأخيرة، مدفوعًا بزيادة الطلب على التمويل، ودخول شركات جديدة للسوق، بجانب التوسع الكبير في خدمات “اشترِ الآن وادفع لاحقًا”. لكن هذا النمو السريع أثار في المقابل مخاوف من توسع الإقراض بشكل يفوق قدرة بعض العملاء على السداد، خاصة مع ارتفاع أسعار الفائدة وتآكل الدخول الحقيقية. كيف تعمل شركات التمويل الاستهلاكي؟ تعتمد هذه الشركات على منح تمويلات مباشرة للمستهلكين لشراء سلع أو خدمات، مقابل سداد أقساط شهرية تمتد أحيانًا لسنوات. وتتميز بسرعة الإجراءات مقارنة بالبنوك، مع مرونة أكبر في قبول العملاء، وهو ما جعلها جاذبة لفئات قد لا تتمكن من الحصول على قروض مصرفية تقليدية. لكن هذه المرونة نفسها تحمل جانبًا خطيرًا؛ إذ إن بعض الشركات تتوسع بقوة في منح التمويل لتحقيق نمو سريع، ما قد يدفعها أحيانًا إلى تخفيف معايير التقييم الائتماني. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. دائرة الديون الصامتة في كثير من الحالات، يحصل العميل على أكثر من تمويل من أكثر من جهة في الوقت نفسه، دون إدراك كامل لحجم الالتزامات المتراكمة عليه. ومع ارتفاع الأسعار وزيادة الأعباء المعيشية، يتحول القسط الشهري تدريجيًا إلى عبء ثقيل، خاصة إذا تعرض العميل لفقدان وظيفته أو انخفاض دخله. الأخطر أن بعض العملاء يلجأون إلى الاقتراض الجديد لسداد أقساط قديمة، وهي دائرة تُعرف اقتصاديًا بـ”الاستدانة من أجل السداد”، وتُعد من المؤشرات الخطيرة على احتمالات التعثر المالي. وتزداد المخاطر عندما تكون تكلفة التمويل مرتفعة، إذ تتضمن بعض العقود فوائد ورسومًا إدارية وغرامات تأخير ترفع التكلفة النهائية بشكل كبير مقارنة بسعر السلعة الأصلي. “بنوك الظل”.. الخطر الذي يقلق الاقتصاديين يطلق خبراء الاقتصاد على بعض أنشطة التمويل غير المصرفي اسم “بنوك الظل”، لأنها تؤدي أدوارًا شبيهة بالبنوك من حيث الإقراض والتمويل، لكن دون الخضوع لنفس مستوى الرقابة والسيولة والاحتياطيات المفروضة على البنوك التقليدية. ورغم أن هذا القطاع يلعب دورًا مهمًا في دعم الشمول المالي وتحفيز الاستهلاك، فإن التوسع غير المنضبط فيه قد يتحول إلى مصدر تهديد للاقتصاد. وتاريخيًا، كانت أزمة الرهن العقاري الأمريكية في 2008 مثالًا واضحًا على مخاطر الإقراض السهل دون تقييم دقيق للمخاطر، حين بدأت الأزمة من مؤسسات تمويل خارج الإطار المصرفي التقليدي، قبل أن تمتد آثارها للنظام المالي العالمي بالكامل. صحيح أن السوق المصرية تختلف من حيث الحجم والتركيبة، لكن المخاوف الحالية تتعلق بتكرار نفس الفكرة: التوسع في منح التمويل لأفراد قد لا يمتلكون قدرة حقيقية على السداد. لماذا يقبل المواطن على التمويل رغم التكلفة المرتفعة؟ الإجابة ترتبط بالواقع الاقتصادي الصعب. فمع ارتفاع أسعار الأجهزة والسيارات والأثاث وحتى الخدمات الأساسية، أصبح الدفع النقدي الكامل شبه مستحيل بالنسبة لكثير من الأسر. وفي المقابل، تبدو الإعلانات التي تروج لعبارات مثل “بدون مقدم” و”موافقة فورية” و”تقسيط حتى 5 سنوات” جذابة للغاية للمستهلك الذي يحاول الحفاظ على مستوى معيشته. لكن ما لا ينتبه له البعض هو أن سهولة الحصول على التمويل لا تعني سهولة السداد لاحقًا، خاصة مع تغير الظروف الاقتصادية وارتفاع تكلفة المعيشة. هل الرقابة الحالية كافية؟ الهيئة العامة للرقابة المالية تنظم نشاط التمويل الاستهلاكي في مصر، كما بدأت السلطات خلال الفترة الأخيرة تشديد الرقابة على القطاع، خاصة فيما يتعلق بالاستعلام الائتماني وربط الشركات بقواعد بيانات العملاء. لكن خبراء يرون أن سرعة نمو السوق تتطلب إجراءات أكثر صرامة، من بينها: وضع حدود واضحة لنسبة القسط إلى دخل العميل. منع منح أكثر من تمويل دون مراجعة إجمالي الالتزامات. زيادة شفافية العقود والإفصاح الكامل عن التكلفة النهائية. تشديد الرقابة على الإعلانات التي تشجع الاستدانة المفرطة. مراقبة التمويل الرقمي السريع الذي يتم عبر التطبيقات. هل يتحول التقسيط إلى أزمة اقتصادية؟ حتى الآن، لا توجد مؤشرات على أزمة وشيكة، لكن القلق يتزايد من استمرار النمو السريع للديون الاستهلاكية في بيئة اقتصادية مضغوطة. فالاقتصاد المصري يواجه بالفعل تحديات تتعلق بالتضخم وارتفاع الفائدة وتراجع القوة الشرائية، ما يعني أن أي زيادة كبيرة في نسب التعثر قد تمتد آثارها إلى الشركات الممولة، ثم إلى البنوك المرتبطة بها، وربما إلى قطاعات أوسع من الاقتصاد. ولهذا، يرى مراقبون أن التحذيرات الأخيرة الصادرة من قيادات مصرفية بارزة، ومن بينها هشام عز العرب، تعكس وجود نقاش جاد داخل القطاع المالي بشأن ضرورة ضبط إيقاع نمو التمويل الاستهلاكي قبل أن يتحول من أداة لتنشيط الاقتصاد إلى مصدر ضغط جديد عليه. في النهاية، يبقى التحدي الحقيقي أمام الدولة والقطاع المالي هو تحقيق التوازن بين توسيع الشمول المالي وإتاحة التمويل للمواطنين، وبين منع تحول “التقسيط السهل” إلى فخ ديون واسع النطاق قد تكون كلفته الاقتصادية والاجتماعية أكبر مما يبدو الآن. CNA– الخدمة الإخبارية