تابع قناة عكاظ على الواتساب
حين يتآكل الدافع الداخلي في المجتمعات المقهورة، لا يكون ذلك مجرد عرض نفسي عابر، بل نتيجة بنية معقدة تعيد تشكيل وعي الإنسان وعلاقته بذاته وبالزمن.
فالقمع لا يقتصر على تقييد الفعل، بل يمتد ليقوّض فكرة الجدوى ذاتها، إذ يفقد الفرد الإحساس بأن جهوده يمكن أن تحدث فرقاً، وتتلاشى المعاني التي تمنح الفعل قيمته، خصوصاً في غياب الاعتراف والعدالة بوصفهما شرطين أساسيين لأي دافعية إنسانية.
فالاعتراف ليس مجرد تقدير رمزي، بل هو تأسيس لوجود الإنسان داخل نسيج اجتماعي يعترف بفاعليته، وعندما يحرم منه يشعر بأن جهده بلا أثر.
أما العدالة؛ فهي التي تربط الفعل بنتائجه بشكل منصف، ومع غيابها يتفكك هذا الرابط، فتنهار الثقة ويضمحل الإحساس بالجدوى. على هذا الأساس؛ يعاد توجيه الطاقة الإنسانية من الإنتاج والإبداع إلى التكيف القسري أو المقاومة الصامتة، فتنشأ حالة من الاغتراب بالمعنى، فالغربة عن العدالة وفقدان القدرة على التحكم بالمصير تولدان شعوراً بالعجز، ويغدو النشاط الإنساني طاقة مهدورة تستهلك في محاولات النجاة أو التكيّف مع القيود بدل أن تستثمر في الإبداع والتطور.
ومع تكرار هذا النمط؛ يتراجع الأمل بوصفه أفقاً زمنياً ممتداً، ويتحوّل المستقبل إلى مجال غامض أو غير موثوق، مما يدفع الإنسان إلى الانكفاء على الحاضر، حيث تنحصر الحياة في استجابات آنية تفتقر إلى التراكم والمعنى. وهنا ينشأ نمط من العيش اللحظي الاستهلاكي، حيث لا ينشغل الفرد ببناء مجتمعه أو تخيل مستقبله، بل يركز على النجاة اليومية.
هذا التحوّل يعمق الإحساس بالاغتراب، ليس فقط عن المجتمع، بل عن الذات أيضاً، حيث تتآكل الإرادة الحرة لصالح أنماط من التكيف. ومع الزمن، يتشكّل ما يمكن تسميته بالوعي المهزوم، وهو وعي يعيد إنتاج القهر داخلياً، ويبرر العجز بوصفه قدراً. في هذه المرحلة؛ لا يعود القمع بحاجة إلى أدواته المباشرة، إذ يصبح مدمجاً في الوعي الجمعي.
ومع ذلك؛ فإن استعادة الدافعية تظل ممكنة، لكنها مشروطة بإعادة بناء منظومة الاعتراف والعدالة، بما يعيد للإنسان إحساسه بالجدوى، ويربط فعله بنتائجه، ويفتح أمامه أفق المستقبل كمساحة قابلة للتشكل. عندها فقط يمكن للطاقة الإنسانية أن تتحوّل من وسيلة للنجاة إلى قوة فاعلة في الإبداع والتطور.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
