تابع قناة عكاظ على الواتساب
إلى حيث الحدث الديني الأضخم والرحلة الروحية التي يبدأها المسلمون من شتى أقطار الأرض لتنتهي بهم إزاء البيت العتيق، تتجه أنظار العالم في كل عام لتشهد نجاحاً آخر يضاف إلى نجاحات المملكة العربية السعودية في إدارة وتنظيم الزخم البشري الأعظم على النحو الذي يسدي للجموع طمأنينتها ويسهل أداءها لشعائرها.
بيد أن المشهد الإيماني المهيب الذي يُرى منتظماً ومنساباً يتجاوز أُطر الكفاءة الإدارية رغم فرادتها ليعكس رؤيةً تقدس الشعيرة وتدرك أثرها في وجدان المسلمين، ويبرهن على أن السعودية تتعاطى مع الحج وفق فهمٍ عميقٍ لمقاصد الشعيرة التي تؤصل التوحيد والعبودية المطلقة وتجسد وحدة الأمة، ولذلك فهي تكرس جهودها وطاقاتها وتتحول بكل مؤسساتها وإمكاناتها إلى يدٍ تمتد بحنو لتسهل أداء الحجيج مناسكهم.
يتجاوز الحج في المنظور السعودي صفة المناسبة الدينية الموسمية إلى اعتباره جزءاً أصيلاً من هويتها التاريخية والدينية والحضارية، فمنذ توحيدها على يد الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود ارتبط مفهوم الدولة بخدمة الحرمين الشريفين، وظلا حاضرين في خططها التنموية ورؤاها المستقبلية، حتى بدت وهي تعيد في كل عام صناعة المكان ذاته ليتسع لهذا الحشد البشري الهائل دون أن يفقد انسيابه أو سكينته كآلةٍ تنظيميةٍ متجددةٍ وبالغةِ الدقة.
لقد راكمت العقود الطويلة قدرةً وتطوراً يتجاوزان الصورة التقليدية ويفوقانها رحابةً وعمقاً، ويُريان بجلاء من خلال دقة التنظيم وما يرافقها من مرونةٍ عاليةٍ وجودة البنى التحتية التي تحتمل وتحمل ملايين الخطوات، إضافةً إلى قدرات الإنسان السعودي الذي تجذر في وجدانه شرف خدمة الحجيج.
ولذلك فإن من يتأمل المشهد المهيب لما يقارب مليوني حاج وهم يتنقلون بين المشاعر المقدسة ككتلةٍ بشريةٍ متصلةٍ، لَيشعرُ أن ما يحدث أقرب إلى معجزةٍ تنظيميةٍ وإداريةٍ تتكرر في كل عام ضمن مساحةٍ وزمنٍ محدودين، تمضي فيهما الجموع بانسيابيةٍ ممتطيةً شبكات الطرق العملاقة والجسور متعددة الطوابق وقطار المشاعر... وقد سخرت لخدمتهم الطواقم الأمنية والإسعافية وإدارة الحشود ومنظومات الذكاء الاصطناعي ومراكز الترجمة والخدمات البلدية والرقابة الغذائية... في منظومة عمل تتحرك كجسدٍ واحدٍ يتناغم إيقاعه وتطرد وتيرته مما يثير دهشة المتخصصين قبل العامة.
بيد أن الجانب بالغ الأهمية لا يكمن في ذلك فحسب بل يتجاوزه نحو العاطفة العميقة والمشاعر الجياشة التي تغمر بها المملكة الحجيج منذ لحظة وصولهم إلى منافذها الحدودية حتى مغادرتهم منتابين بالبهجة مغمورين بالفرح نظير ما وجدوا من حسن وفادة ورفيع عناية ورفقٍ ولينٍ واهتمامٍ وترحابٍ حتى ليخال الحاج منهم أنه لم يدخل بلداً آخر وإنما دلف فضاءً إنسانياً رحباً.
لقد انتقلت المملكة خلال السنوات الماضية بالحج من مفهوم الإدارة الموسمية إلى الصناعة المتكاملة التي تتضمن التطبيقات الذكية والخدمات الرقمية ومنصات التوجيه والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة بدءاً من أتمتة عمليات التسجيل والفرز وإصدار التصاريح مروراً بإدارة الحشود الذكية وليس انتهاءً بالتفويج الإلكتروني، في خطواتٍ لم تكن ترفاً تقنياً بقدر ما هي يقينٌ بأن التكنولوجيا حين تسخر للإنسان تصبح شكلاً من أشكال الرحمة والعطاء، وإيماناً بأن الحج هو مرآة العالم الإسلامي، وأن نجاح المملكة في إدارته يتجاوز بعده المحلي ويتسع ليصبح إنجازاً حضارياً إسلامياً، ويُعرف كلقاءٍ يجمع أعراقاً ولغاتٍ وثقافاتٍ شتى بما تحمله من توتراتٍ سياسيةٍ وما يثقلها من حروبٍ وفقرٍ وانقساماتٍ ليذوبوا في مشهدٍ يحفظ التوازن الروحي للعالم الإسلامي.
ولذلك فإن جهود المملكة لم تتوقف عند حدود التوسعات العمرانية التاريخية رغم ضخامتها، بل تجاوزتها إلى تطوير مفهوم الاستضافة الآمنة الميسرة والرعاية الشاملة، فالمشاريع العملاقة في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة لم تُبنَ لاستيعاب الأعداد المليونية فحسب وإنما لخلق بيئةٍ تنعم بالأمان والراحة والكرامة والطمأنينة، وباستدعاء الذاكرة لصور الحج قبل عقود ومقارنتها بما هو عليه اليوم، سيرى حجم التحول الذي صنعته المملكة في البنية والبيئة والتنظيم والرؤية.
مبعث ذلك هو أن السعودية تعي البعد الروحي الذي يمثله الحج للمسلمين، وتدرك أنها لا تنظم مناسبةً دينيةً فحسب، بل تضطلع بمقاصدها وتمتثل لفلسفتها وتعنى بقدسية شعائرها ومشاعرها المقدسة، وترعى ذاكرةً شعوريةً مشتركةً لمليارين وأربعمائة مليون مسلم تأتي الحشود منهم آناء كل موسم مثقلةً بالشوق متطلعةً إلى الطمأنينة، تبحث عقب رحلتها الطويلة عن السكينة بقدر رغبتها في أداء المناسك، فتجد في الإحساس العميق بالمسؤولية تجاهها ضالتها ومرادها، فإذا ما باشرت أداء مناسكها وأدارت أعينها في رحاب المشاعر أدركت أن ما يجمع بين فلسفة التنظيم وهيبة المشهد هو أنهما تقومان على مفهوم أن الحج اجتماعٌ يعلو فيه الإنسان على اختلافاته، وتنتصر فيه الرحمة على مشقة الطريق، كما ترتكزان على مبدأ أن العناية بالإنسان المسلم هي ضمناً اعتناءٌ بالمقدس، وأن المملكة تبرع في تطبيق كل ذلك دون أن تخدش صوتَها الرزين لغةٌ متعاليةٌ.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
