كتبت أسماء نصار الأربعاء، 03 يونيو 2026 01:00 ص بينما ينشغل العالم بتحديات التغير المناخي والنزاعات الجيوسياسية، يبرز خطر «قديم متجدد» يهدد لقمة عيش الملايين ويضع الأمن الغذائي العالمي على المحك، إنه الجراد الصحراوي. هذه الكائنات الصغيرة التي تتحول في ظروف معينة من حشرات فرادى مسالمة إلى أسراب هائلة عابرة للحدود، تلتهم الأخضر واليابس في طريقها بسرعة مذهلة. سيكولوجية التحول من العزلة إلى «الوحش الجماعي» لا يكمن خطر الجراد في حجمه، بل في قدرته العجيبة على التحول المورفولوجي والسلوكي، ففي فترات الجفاف، يعيش الجراد بشكل منعزل، ولكن بمجرد هطول أمطار غزيرة ونمو غطاء نباتي كثيف، يبدأ التكاثر السريع. ومع تزايد الكثافة، تفرز الحشرات مادة "السيروتونين" التي تحولها من الحالة الانفرادية إلى الحالة التجمعية، حيث يتغير لونها، وتزداد قوة عضلاتها، وتتشكل الأسراب التي قد تضم المليارات. أرقام صادمة وتأثيرات كارثية تؤكد المنظمات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، أن سرباً صغيراً من الجراد يغطي مساحة كيلومتر مربع واحد يمكنه استهلاك طعام يكفي لـ 35 ألف إنسان في يوم واحد، حيث يمكن للأسراب أن تقطع مسافة تصل إلى 150 كيلومتراً في اليوم بتأثير الرياح، وتأكل الجرادة الواحدة وزنها تقريباً من الغذاء يومياً. وتهدد هذه الآفة سبل العيش لـ 10% من سكان العالم، خاصة في أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا. التغير المناخي الوقود المحرك للأزمات ويربط الخبراء بين تزايد تواتر موجات الجراد وبين الاضطرابات المناخية، فأمطار غير معتاد في شبه الجزيرة العربية أو فيضانات مفاجئة في شرق أفريقيا توفر بيئة رطبة مثالية لوضع البيض ونمو اليرقات، وهذا التذبذب المناخي جعل من الصعب التنبؤ بمسارات الأسراب، مما يضع أنظمة الإنذار المبكر في اختبار مستمر. تكنولوجيا الأقمار الصناعية والتعاون الدولي لم تعد المكافحة تقتصر على الرش التقليدي للمبيدات؛ بل انتقلت إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة مثل الأقمار الصناعية لرصد بقع الخضرة والرطوبة في الصحاري الشاسعة، و الطائرات بدون طيار للوصول إلى المناطق الوعرة ورش المبيدات بدقة عالية، والذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات التاريخية والمناخية والتنبؤ بمسار الهجرة قبل وقوعها. جدير بالذكر أن الجراد تحدياً عابراً للقارات لا يعترف بالحدود السياسية، مما يستوجب تنسيقاً دولياً عالي المستوى لأن تأمين رغيف الخبز في المناطق المتضررة لا يعتمد فقط على وفرة المحاصيل، بل على القدرة على استباق هذه "الجيوش الصامتة" وشل حركتها قبل أن تتحول إلى كارثة إنسانية يصعب احتواؤها.