تم النشر في: 07 يونيو 2026, 10:18 صباحاً في عصر تتسارع فيه الأخبار وتتدفق الشائعات بوتيرة غير مسبوقة، أصبحت مختلف القطاعات تواجه ضغوطاً متزايدة، ولم يعد التحدي مقتصراً على إدارة الأحداث فحسب، بل امتد إلى صناع القرار والمؤسسات الذين يُنتظر منهم إصدار المواقف والتصريحات بشكل فوري. وعندما قال وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، خلال مشاركته في منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي، إن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام في بعض الظروف، فقد لامس حقيقة أثبتتها تجارب التاريخ، إذ كان الصمت المدروس أحد العوامل التي ساعدت الولايات المتحدة على تجاوز أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 دون الانزلاق إلى مواجهة نووية. وتكشف التجارب التاريخية أن الصمت ليس دائماً علامة غياب أو تردد، بل قد يكون أداة اتصالية واستراتيجية فعالة لإدارة الأزمات وهو ما أشار إليه عبدالعزيز بن سلمان خلال تصريحه مؤخرا. وفي علم الاتصال السياسي والمؤسسي فإن الصمت لا يعني حجب المعلومات أو تجاهل الجمهور أو الجهل، بل يمثل فترة ضرورية لجمع البيانات وتحليلها واختبار السيناريوهات قبل بناء الرسالة الاتصالية المناسبة. وذلك فالمعلومة الخاطئة قد تخلق أزمة جديدة، بينما يمنح التريث فرصة لفهم المشهد بصورة أكثر دقة. وتؤكد العديد من الأزمات العالمية هذا النهج، ففي أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، لم يتعجل الرئيس الأميركي جون كينيدي إعلان تفاصيل الأزمة فور اكتشاف الصواريخ السوفييتية، بل أمضى أياماً في المشاورات السرية ودراسة البدائل قبل مخاطبة العالم، وهو ما ساهم في تجنب مواجهة نووية محتملة. وفي الأزمة المالية العالمية عام 2008، فضلت المؤسسات النقدية الكبرى، ومنها بنك إنجلترا، الحد من التصريحات المتكررة وتجنب التفاعل مع كل شائعة، حفاظاً على استقرار الأسواق ومنع حالة الذعر المالي. كما أظهرت كارثة تسرب النفط في خليج المكسيك عام 2010 أن التصريحات المتسرعة قد تضر أكثر مما تنفع، إذ اضطرت شركة BP لاحقاً إلى تبني خطاب أكثر تحفظاً يعتمد على الحقائق المؤكدة. وخلال جائحة كورونا، فضلت جهات صحية وحكومات عديدة الانتظار حتى اكتمال الأدلة العلمية قبل إصدار بعض التوصيات الحاسمة، إدراكاً لخطورة المعلومة غير الدقيقة في زمن الأزمات. وفي ظل التوترات الحالية المرتبطة بالمواجهة الإيرانية الأميركية الإسرائيلية، تبدو فلسفة الصمت أكثر أهمية، فالأحداث تتغير بسرعة، والمعلومات الأولية غالباً ما تكون ناقصة أو متضاربة. وفي مثل هذه البيئات، يصبح الصمت المؤقت وسيلة لاستكشاف أبعاد الأزمة، وتقليل الضجيج الإعلامي، وتجنب اتخاذ مواقف مبنية على تقديرات غير مكتملة وهو ما يقصده بكل وضوح وزير الطاقة في المملكة العربية السعودية. بقي القول، إن نجاح إدارة الأزمات لا يقاس بسرعة الحديث، بل بدقة الرسالة وموثوقيتها والصمت في كثير من الأحيان يعد نفعه أكثر من ضرره. ولذلك فإن الصمت الاستراتيجي الذي تحدث عنه عبدالعزيز بن سلمان ليس فراغاً اتصالياً، بل مرحلة من التفكير والتحليل وصناعة القرار باعتبار أن الكلمات الصحيحة في الوقت المناسب قد تحل أزمة، أما الكلمات المتسرعة فقد تصنع أزمة جديدة وهو ما لا تفعله الدول الكبرى. أكاديمي ومستشار اتصالي