كتب: محمد الأحمدى الأربعاء، 10 يونيو 2026 03:00 ص لم تكن مدينة الإسكندرية مجرد محطة عابرة في تاريخ المسيحية المصرية، بل كانت نقطة الانطلاق الأولى للكرازة المرقسية، والمقر البابوي الأول للكنيسة القبطية الأرثوذكسية لأكثر من ألف عام، فمن شوارعها بدأت رحلة الإيمان المسيحي في مصر، وعلى أرضها تأسست أول كنيسة، ومنها انطلقت رسالة الكرسي المرقسي إلى مختلف أنحاء البلاد. وتكشف المصادر التاريخية القبطية، أن الإسكندرية ظلت المقر الرسمي للباباوات البطاركة منذ وصول القديس مارمرقس الرسول إلى مصر عام 61م تقريبًا وحتى القرن الحادي عشر الميلادي، قبل أن تبدأ رحلة انتقال الكرسي المرقسي إلى مواقع أخرى داخل مصر. من إسكافى بسيط بدأت الحكاية بحسب التقليد الكنسي الذي ترويه المصادر القبطية، وصل القديس مارمرقس الرسول إلى الإسكندرية قادمًا من ليبيا ليبدأ رحلة التبشير بالمسيحية في مصر. وتذكر الروايات التاريخية أنه أثناء تجوله في المدينة تمزق حذاؤه، فلجأ إلى إسكافي يدعى أنيانوس لإصلاحه، وخلال العمل أصيب أنيانوس في يده بالمخراز فصرخ قائلاً: "يا الله الواحد". كانت تلك العبارة بداية حوار طويل بين الرجلين انتهى بإيمان أنيانوس وأفراد أسرته بالمسيحية، ليصبح منزله أول مركز للكرازة في مصر، ثم أول مقر كنسي عرفته الإسكندرية. ومع اتساع دائرة المؤمنين قام القديس مارمرقس برسامة أنيانوس أسقفًا على المدينة، ليصبح أول أسقف للإسكندرية وأول خليفة للرسول بعد استشهاده. «بوكاليا».. أول مقر بابوي في تاريخ مصر المسيحية بعد استشهاد القديس مارمرقس الرسول عام 68م دُفن جسده في كنيسة عرفت باسم "بوكاليا"، والتي أصبحت المقر الرسمي للكرسي المرقسي والآباء البطاركة على مدار قرون طويلة. ويعتبر المؤرخون هذه الكنيسة أول مقر بابوي فعلي في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، حيث أدار منها البطاركة شؤون الكنيسة المصرية خلال القرون الأولى للمسيحية. ويقع الموقع التاريخي للكنيسة اليوم في منطقة محطة الرمل بالإسكندرية، حيث تقوم الكنيسة المرقسية الكبرى التي لا تزال تحتفظ بمكانتها الروحية والتاريخية باعتبارها أقدم مقر للكرسي الرسولي المرقسي في العالم. الإسكندرية.. العاصمة الفكرية للعالم القديم لم يكن اختيار الإسكندرية مركزًا للكرازة أمرًا عشوائيًا، فالمدينة كانت آنذاك واحدة من أعظم مدن العالم القديم. ويذكر المؤرخ علي باشا مبارك في كتابه "الخطط التوفيقية" أن الإسكندرية نشأت فوق موقع قرية مصرية قديمة عرفت باسم "راقودة" أو "راكوتي"، قبل أن يعيد الإسكندر الأكبر تأسيسها ويمنحها اسمه. كما يشير الباحث الفرنسي أميلينو في كتاب "جغرافية مصر في العصر القبطي" إلى أن الأقباط احتفظوا طويلًا بالاسم المصري القديم للمدينة، وهو "راكوتي"، رغم انتشار الاسم اليوناني لاحقًا. وخلال العصرين اليوناني والروماني أصبحت الإسكندرية مركزًا عالميًا للعلم والفلسفة والتجارة، واحتضنت المكتبة الأشهر في العالم القديم، الأمر الذي منح الكنيسة الناشئة فرصة الانتشار في واحدة من أهم العواصم الفكرية في ذلك العصر. الاضطهاد يدفع البطاركة خارج المدينة رغم احتفاظ الإسكندرية بمكانتها كمقر رسمي للكرسي المرقسي، فإن الظروف السياسية والدينية دفعت بعض البطاركة أحيانًا إلى مغادرتها بصورة مؤقتة. فبعد مجمع خلقدونية عام 451م وما أعقبه من انقسامات واضطهادات تعرض لها الأقباط، اضطر عدد من البطاركة إلى الإقامة بعيدًا عن المدينة لفترات مختلفة. وتشير المصادر التاريخية إلى أن البابا بطرس الرابع والبابا دميانوس والبابا أنسطاسيوس أقاموا لفترات في دير الزجاج غرب الإسكندرية هربًا من الاضطهادات التي تعرضت لها الكنيسة في تلك المرحلة. ورغم هذه الظروف الاستثنائية، ظل الكرسي المرقسي مرتبطًا بالإسكندرية وظلت المدينة تمثل المركز الروحي والإداري للكنيسة القبطية. ألف عام من القيادة الروحية استمرت الإسكندرية مقرًا للباباوات الأقباط منذ القرن الأول الميلادي وحتى القرن الحادي عشر تقريبًا، وهي فترة تزيد على ألف عام من التاريخ المتواصل. وخلال هذه القرون شهدت المدينة تعاقب عشرات البطاركة، واحتضنت مدارس لاهوتية ومراكز فكرية لعبت دورًا بارزًا في صياغة التراث المسيحي العالمي، كما خرج منها عدد من كبار آباء الكنيسة الذين تركوا بصمة واضحة في التاريخ الكنسي. ومع التغيرات السياسية والديموغرافية التي شهدتها مصر خلال العصور الوسطى، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الكرسي المرقسي تمثلت في انتقال المقر البابوي تدريجيًا إلى مواقع أخرى داخل البلاد، لتبدأ محطة جديدة من رحلة استمرت قرابة ألفي عام. الإسكندرية.. ذاكرة الكرسى المرقسى الأولى ورغم انتقال المقر البابوي لاحقًا إلى مناطق أخرى، بقيت الإسكندرية تحتفظ بمكانتها الخاصة في الوجدان القبطي باعتبارها المدينة التي شهدت ميلاد الكنيسة المصرية، ومنها انطلقت رسالة القديس مارمرقس الرسول إلى مصر وأفريقيا والعالم. ولهذا لا تزال الكنيسة المرقسية بالإسكندرية حتى اليوم تمثل رمزًا تاريخيًا وروحيًا فريدًا، وشاهدًا حيًا على أول مقر بابوي عرفته الكنيسة القبطية الأرثوذكسية منذ ما يقرب من 2000 عام.