تابع قناة عكاظ على الواتساب
في الشرق الأوسط اليوم، لا يبدو أن المأساة ناتجة فقط عن الصراعات التقليدية بين الدول، بل عن هيمنة عقليتين أمنيتين تتغذيان من الخوف وتسعيان إلى فرض النفوذ خارج الحدود، ولو كان الثمن تدمير المجتمعات والدول. الأولى هي العقلية الإيرانية التي قامت لعقود على فكرة أن الدفاع عن الأمن القومي الإيراني لا يبدأ عند حدود إيران، بل في أراضي الآخرين. ومن هنا نشأت شبكات عابرة للحدود، من لبنان إلى العراق، ومن سوريا إلى اليمن، باعتبارها أدوات نفوذ وضغط ومساومة. لقد رأت طهران في هذه التشكيلات العسكرية الموازية للدولة وسيلة لتوسيع مجالها الحيوي، ولخوض معاركها السياسية والأمنية بأقل كلفة مباشرة ممكنة. غير أن النتيجة كانت كارثية على شعوب المنطقة، إذ تحوّلت دول بأكملها إلى ساحات صراع مفتوحة، وتآكلت مؤسساتها الوطنية، واهتزت سيادتها، وتعرّض نسيجها الاجتماعي لتصدّعات عميقة ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم. وفي المقابل، برز خلال السنوات الأخيرة منطق إسرائيلي خطير، يقوم على اعتبار أن الأمن الإسرائيلي لا يكتمل إلا بإضعاف سيادة الدول المحيطة وتجريدها من القدرة على التحكم بأراضيها وحدودها. فمنذ السابع من أكتوبر أخذت إسرائيل تتصرف وفق نظرية أمنية توسعية ترى أن من حقها التدخل والضرب والاغتيال والاعتقال في أي مكان تراه تهديداً محتملاً، بينما لا تعترف عملياً بحق الآخرين في التمتع بالسيادة ذاتها التي تطالب بها لنفسها. وقد يكون من السهل على البعض تبرير هذا السلوك في حالات معينة بالاستناد إلى تهديدات فعلية من حماس أو حزب الله، لكن هذا التبرير يفقد الكثير من وجاهته عندما ننظر إلى الحالة السورية بعد سقوط نظام الأسد، حيث أعلنت السلطة الجديدة مراراً أنها لا تسعى إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل، بل إلى ترتيبات أمنية تضمن الاستقرار، ومع ذلك استمرت الانتهاكات والاختراقات العسكرية بصورة تكاد تكون يومية. والأخطر من ذلك أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع الاتفاقات بوصفها إطاراً ملزماً لإدارة الصراع، بل بوصفها ترتيبات مؤقتة يمكن تجاوزها متى اقتضت الحسابات السياسية أو العسكرية ذلك، سواء في غزة أو في لبنان. وهكذا تجد المنطقة نفسها رهينة مشروعين متنافسين على الهيمنة، أحدهما يستخدم المليشيات لتفكيك الدول من الداخل، والآخر يستخدم القوة العسكرية لإفراغ السيادة من مضمونها. وبين المشروعين تضيع مصالح الشعوب التي تتطلع إلى الأمن والاستقرار والتنمية. غير أن التاريخ يعلّمنا أن الهيمنة الدائمة وهم سياسي، وأن القوى التي تتجاهل إرادة الشعوب قد تنجح في فرض نفوذها لبعض الوقت، لكنها تعجز في النهاية عن تحويله إلى واقع مستقر. وربما تشكّل التجربة السورية اليوم المثال الأوضح على أن شعوب المنطقة، مهما بلغت معاناتها، لن تقبل في نهاية المطاف أن تكون مجرد ساحة نفوذ لهذا الطرف أو ذاك، وأن كلفة مشاريع الهيمنة، الإيرانية منها والإسرائيلية، ستبقى أعلى بكثير من أي مكاسب يظن أصحابها أنهم حققوها.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
