تابع قناة عكاظ على الواتساب الواضح أننا أمام اتفاق تاريخي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية خلال أيام قد لا تتجاوز الأسبوعين في أقصى تقدير، وهي المدة الحاسمة التي يترقب فيها العالم المراحل النهائية من المفاوضات؛ وسط أجواء من التهدئة الهشة والمتأرجحة بين الدبلوماسية عبر وساطات إقليمية مكثفة، وبين التصعيد الميداني الذي تجدّد مع تبادل الهجمات الصاروخية بين إيران وإسرائيل خلال اليومين الماضيين. الاتفاق لا يزال يواجه عدة عقبات تتعلق بالإفراج عن أصول إيرانية مجمدة تُقدر بـ 24 مليار دولار، وآلية التسوية الشاملة للصراع، وإدارة الملف النووي، ومضيق هرمز، وأذرع إيران في المنطقة، حيث من الممكن أن تعصف تلك القضايا بالجهود الدبلوماسية الحالية في أي لحظة، رغم عزم الرئيس ترمب على عقد صفقة اتفاق مع إيران مهما كانت تلك التحديات، وإعلان النصر العسكري والدبلوماسي من البيت الأبيض، وهو ما جعله يتحرك سريعاً لاحتواء التصعيد الإيراني الإسرائيلي مؤخراً، وذلك في إشارة إلى قرب هذا الاتفاق. الشرق الأوسط قبل الاتفاق المحتمل لن يكون بعده، وسيشهد في المرحلة المقبلة منعطفاً مفصلياً يكسر المعادلات السابقة، ويرسم ملامح الواقع المستقبلي والتحولات العميقة التي تعيشها المنطقة على أكثر من صعيد سياسي وعسكري وأمني وحتى اقتصادي؛ فالدروس المستفادة من هذه الحرب كثيرة جداً، وكل دولة بما فيها الدول المتنازعة أو المتضررة أو حتى تلك التي تدفع ثمن فواتير التضخم وارتفاع أسعار الطاقة ستعيد هي الأخرى الكثير من حساباتها، وتحالفاتها، وأولوياتها. علينا أن نتفق أن الموضوع ليس فقط اتفاقاً يُبرم ولكنه واقع منطقة يتشكّل من جديد، فلم يعد الشرق الأوسط ساحة تنافس إقليمي تقليدي فحسب، بل تحول إلى محور يُعاد عبره تشكيل توازنات وسياسات القوى الدولية والإقليمية، وسيحافظ اللاعبون الرئيسيون فيه على مكانتهم رغم تفاوت حجم تأثير كل طرف، والمهمة الرئيسة للجميع هي أمن واستقرار المنطقة التي أصبحت في نظر العالم بأنها غير قابلة لتجدّد الصراعات تحت أي مبرر، مع أهمية تسوية القضية الفلسطينية، ونزع سلاح أذرع إيران في المنطقة، والتوجه إلى توقيع اتفاقيات سلام مع إسرائيل كما يجري حالياً مع لبنان برعاية أمريكية. تبقى دول الخليج هي الأخرى أمام استحقاقات جيوسياسية واقتصادية وأمنية بالغة الدقة عقب الاتفاق الأمريكي - الإيراني، ولعل أبرزها منظومة الدفاع والأمن المشترك، وتأمين خطوط الملاحة، والتعامل مع تحديات الملف النووي وبرامج الصواريخ، والتحوّل نحو خفض التصعيد التكتيكي مع الجار الإيراني. الدبلوماسية السعودية ستتحمّل عبئاً كبيراً في المرحلة المقبلة على أساس دورها الموثوق والموزون وثقلها الاقتصادي ودورها الأمني، من خلال تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وستتعامل مع هذه المستجدات برؤية شمولية وواقعية تنطلق من رغبة دولية داعمة للدور السعودي الذي يعول عليه في إدارة المشهد العام للمنطقة، وتغليب الحوار والطرق السلمية لحل الخلافات بعيداً عن الصراع.